آخر تحديث :الإثنين - 18 مايو 2026 - 06:47 م

كتابات واقلام


المغرب يعيش أزمة الديمقراطية ، حين تحولت الأحزاب إلى أدوات السلطة لا صوتا للمجتمع

الإثنين - 18 مايو 2026 - الساعة 06:32 م

د.توفيق جوزوليت
بقلم: د.توفيق جوزوليت - ارشيف الكاتب


يشهد المغرب منذ سنوات حالة من التراجع السياسي الصامت، لا تظهر فقط في ضعف المشاركة الحزبية أو ارتفاع منسوب العزوف الانتخابي، بل تتجلى أساسًا في فقدان السياسة لمعناها الحقيقي داخل المجتمع. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بأداء حكومة أو حزب بعينه، بل أصبحت أزمة ثقة عميقة في مجمل البنية الحزبية وفي قدرة الفاعل السياسي على تمثيل المواطنين والدفاع عن مصالحهم.

لقد تحولت الأحزاب السياسية، في نظر قطاع واسع من المغاربة، من مؤسسات للتأطير والترافع وإنتاج الأفكار إلى هياكل انتخابية موسمية، تنشط عند اقتراب الاستحقاقات ثم تعود إلى حالة الصمت والانغلاق. ولم يعد المواطن يشعر بأن الأحزاب تعبّر عن همومه اليومية بقدر ما أصبحت تُنظر إليها كجزء من منظومة تدبيرية منفصلة عن الواقع الاجتماعي.

أحد أبرز مظاهر الأزمة يتمثل في التراجع المستمر للديمقراطية الداخلية داخل عدد من الأحزاب المغربية. فبدل أن تكون الأحزاب مدارس لإنتاج النخب والكفاءات، أصبحت في كثير من الأحيان رهينة لهيمنة الأشخاص، وشبكات المصالح، والتوازنات المالية والانتخابية. وغالبًا ما يتم إقصاء الكفاءات الشابة أو الأصوات النقدية لصالح منطق الولاء والطاعة الحزبية، الأمر الذي أفرغ العمل السياسي من ديناميته الفكرية ومن قدرته على التجدد.

كما أن ضعف النقاش السياسي الحقيقي داخل المؤسسات الحزبية ساهم في إنتاج مشهد سياسي باهت، حيث تراجعت الفوارق الإيديولوجية والبرامجية بين الأحزاب، وأصبح المواطن يجد صعوبة في التمييز بين خطاب الأغلبية والمعارضة. فالجميع يتحدث باللغة نفسها تقريبًا، ويقدم الوعود ذاتها، بينما تستمر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في التفاقم.

وقد أدى هذا الوضع إلى تنامي الشعور العام بأن الانتخابات لم تعد محطة للتغيير السياسي بقدر ما أصبحت آلية لإعادة إنتاج النخب نفسها بصيغ مختلفة. وهو ما يفسر ارتفاع منسوب العزوف الانتخابي، خاصة لدى فئة الشباب، الذين بات كثير منهم يعتبر السياسة مجالًا مغلقًا لا يسمح بالمشاركة الحقيقية أو بالتأثير الفعلي في القرار العمومي.

إن تراجع الديمقراطية لا يُقاس فقط بوجود الانتخابات أو المؤسسات، بل يُقاس أيضًا بمدى حيوية الحياة السياسية، واستقلالية الأحزاب، ووجود نقاش عمومي حر، وقدرة المواطن على الشعور بأن صوته يمكن أن يحدث فرقًا. وعندما تفقد الأحزاب دورها التأطيري والتعبوي، تصبح الديمقراطية شكلية أكثر منها ممارسة حقيقية.

الأخطر من ذلك أن استمرار أزمة الثقة قد يدفع المجتمع نحو مزيد من اللامبالاة السياسية، وهو أمر لا يهدد الأحزاب وحدها، بل يهدد التوازن السياسي والاجتماعي برمته. فالديمقراطية لا يمكن أن تستمر فقط عبر المؤسسات، بل تحتاج أيضًا إلى مواطن مؤمن بجدوى المشاركة، وإلى أحزاب تمتلك المصداقية والقدرة على الوساطة بين الدولة والمجتمع.

لقد أصبح المغرب اليوم في حاجة إلى مراجعة عميقة للحياة الحزبية، تبدأ بإعادة الاعتبار للسياسة باعتبارها خدمة للشأن العام لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وتمر عبر تعزيز الديمقراطية الداخلية، وتجديد النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

فمن دون أحزاب قوية وذات مصداقية، ومن دون فضاء سياسي حقيقي يسمح بالتعدد والنقد والتداول، ستظل الديمقراطية المغربية تعيش حالة من الهشاشة، مهما تعددت الانتخابات وتغيرت الوجوه.