آخر تحديث :الأحد - 17 مايو 2026 - 10:01 م

كتابات واقلام


الشراكة مع الحوثيين: خطأ استراتيجي سيدفع ثمنه اليمنيون شمالاً وجنوباً

الأحد - 17 مايو 2026 - الساعة 09:22 م

وجدي السعدي
بقلم: وجدي السعدي - ارشيف الكاتب


إن القبول بأي تسوية سياسية تمنح جماعة الحوثي شراكة حقيقية في إدارة الدولة اليوم، لن يكون سوى أكبر خطأ استراتيجي تدفع فاتورته الأجيال القادمة في اليمن شمالاً وجنوباً. إنها ليست تسوية… إنها انتحار وطني، وتوقيع شهادة وفاة للدولة اليمنية.

التجربة مع هذه الجماعة لم تعد تحتاج إلى اجتهاد أو تأويل. هي تجربة قصيرة وواضحة، مكتوبة بالدم والخيانة وتقويض كل اتفاق يُوقَّع معها. كل ورقة وقعوها صارت وقوداً لمعركتهم القادمة.

دخل الحوثيون في "اتفاق السلم والشراكة" مع الرئيس عبدربه منصور هادي عام 2014، فكانت النتيجة انقلاباً مسلحاً على الدولة ومؤسساتها، واجتياحاً للعاصمة صنعاء.  
وقبل ذلك دخلوا في تحالف مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وما إن مكنهم من مفاصل الدولة حتى أداروا عليه السلاح وقتلوه في عقر داره.  

وحتى شعارهم القديم "نحن مع قضية الجنوب ومع استعادة دولته" تبخر مع أول طلقة أطلقوها باتجاه عدن ليتحولوا إلى قوة احتلال جديدة تكرر نفس ممارسات الإقصاء والتهميش بلباس سلالي.

هذه ليست سقطات فردية أو سوء فهم سياسي. هذا منهج ثابت قائم على عقيدة واحدة: أن الحق في الحكم محصور فيهم وحدهم، وأنه حق إلهي مسجل باسمهم، وما عداهم مجرد رعايا ينتظرون الأوامر.

  
لذلك لا تؤمن الجماعة بمبدأ الشراكة، ولا تعرف معنى العهد، ولا تحترم ميثاقاً. فمفهوم "الشراكة" عندها يعني التمكين الكامل لها، والإخضاع التام لما سواها.

الشراكة مع الحوثيين تعني عملياً أن يصبح عبدالملك الحوثي هو "السيد"، ويصبح الشعب اليمني كله "تابعاً". 
 
وتعني القبول بمنهج دراسي يمزق الهوية الوطنية ويحول المدارس إلى معسكرات تعبئة طائفية بدلاً من التربية والتعليم.  

وتعني تسليم الإعلام والقضاء والأمن والمال العام لمليشيا لا تخضع لقانون ولا لمحاسبة، وتحويل مؤسسات الدولة إلى واجهات شكلية بلا قرار.

مبدأ السلام والتعايش مبدأ عظيم، لكنه لا يتحقق إلا مع من يحترم هذا المبدأ ويؤمن به. أما من يرى في السلام مرحلة تكتيكية لالتقاط النفس قبل الضربة القادمة، فالحوار معه لا ينتج إلا مزيداً من الدمار. من يرفع شعار السلام اليوم ليتوسع به غداً، لا يستحق أن يجلس على طاولة الدولة، بل على طاولة التحقيق.

لدى اليمنيين تجارب لا تُعد ولا تُحصى مع هذه الجماعة في الحرب والسلم، في الاتفاق والانقلاب، في التحالف والغدر. فبأي منطق، وبأي عقل، وبأي حق وطني، يُطلب منهم اليوم أن يعيدوا التجربة؟  

أي شراكة مع الحوثيين ليست شراكة في الحكم، بل شراكة في الجريمة، وشراكة في دفن ما تبقى من الدولة.

الطريق الوحيد لتجنيب اليمن مزيداً من الانهيار هو استعادة الدولة، وتفكيك مشروع السلالة، وإعادة السلطة إلى الشعب مصدرها الوحيد. 
 
أما ما دون ذلك فهو إعادة إنتاج للكارثة، وتسليم جديد لليمنيين إلى مصير لا يختارونه، ودولة لا يعترفون بها.

اليمن لا يحتمل خطأً استراتيجياً آخر.  
والشراكة مع الحوثيين هي ذلك الخطأ بعينه.


وجدي السعدي