آخر تحديث :الأربعاء - 20 مايو 2026 - 09:59 م

كتابات واقلام


لأصحاب ثقافة "عنزة ولو طارت"

الأربعاء - 20 مايو 2026 - الساعة 08:36 م

د. عيدروس نصر ناصر
بقلم: د. عيدروس نصر ناصر - ارشيف الكاتب


في إحدى الجامعات الأمريكية قام أحد علماء النفس بالقاء محاضرة عن "عنصرية السود وعدوانيتهم"، مستعرضًا الكثير من الأوصاف الدالة على السلوك "العدواني" و"الهمجي" و"البشاعة" و"الوحشية" عند هؤلاء السود و"جرائمهم" في حق البيض، وفجأةً مرّ على المسرح من وراء المتحدث شخصان مسرعان احدهما هاربٌ ويصرخ يتبعه شخص آخر يحمل سكينًا يريد أن يقتله ثم اختفيا في ثوانٍ قليلة، وبعد المشهد سأل المتحدث الحاضرين: ماذا رأيتم في المشهد الذي مر قبل قليل؟
أكثر من 80% قالوا أنهم شاهدوا رجلاً أسوداً يطارد رجلاً أبيضَ ويريد قتله، لكن الحقيقه كانت إن الرجل الأبيض هو الذي يحمل السكين والأسود هو الذي يهرب صارخًا.
كان المشهد تمثيليًا بطبيعة الحال، وأراد من خلاله البروفيسور ان يختبر مدى تاثير الشحن النفسي على المتلقين وتكوين ما يُسمَّى بــ"التصور المسبق" غير الحقيقي وغير الواقعي،أو ما يسميه البعض بالــ (Hallucinations) .
تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ التعليقات التي نشرها البعض على حديثي على بودكاست "يمانون" وقد تركز الحديث في معظم التعليقات على أمرين:
الأول حول الأخ الإعلامي بشير الحارثي الذي أجرى معي اللقاء،
الأمر الثاني أكثر من 50% من التعليقات اخذت "الإفيشات" التي في مقدمة الحلقة، خصوصًا ذلك المتعلق بـ"دولة الجنوب العربي" وشخصيًا كنت قد قررت التوقف عن مناقشة هذه القضية ليس لانني على خطأ أو إن المخالفين لرأيي على صواب، لكن لأن لدى شعبنا من الأولويات ما يتعلق بحياة الناس ومعاناتهم مع حرب الخدمات وسياسات التجويع ومساعي التركيع الرسمية ومحاولات شطب القضية الجنوبية من القاموس السياسي والوجودي بشكل عام وما يرافق ذلك من خطوات يعتقد القائمون عليها بأن شعبنا قد استسلم لنهجهم وأذعن لسياساتهم، دون إن يستوعبوا الدروس الذي صنعها شعبنا عبر مراحل النضال السلمي والمقاومة المسلحة والتصدي لسياسات تحالف 1994م الذي يتحكم اليوم بجنوبنا الحبيب دون سواه من الأرض.
وأشير هنا أنني كنت من أوائل الذين نادوا بتاجيل موضوع اسم الدولة الجنوبية المستقبلية إلى ما بعد استعادتها، وترك الأمر للاستفتاء الشعبي ليقرر الاسم الذي يختاره، وهو العرف الدستوري والقانوني متبعٌ في كل البلدان المتقدمة والمتخلفة على السواء، ولو إن الذين بنوا تعليقاتهم على "إفِّيش المقدمة" تابعوا الحديث إلى النهاية لوجدوا في حديثي ما يوافق مطالبهم جميعًا، ما عدا أصحاب الـ (Hallucinations).
ولقد أردت أن أشرك القراء الكرام معي ببعض التسلية والضحك من بعض التعليقات الطريفة.
فمن الأمثلة على ذلك، معلق أنت تقول إن بقاء اليمن دولة واحدة أمرٌ مستحيل وإن الدولة الجنوبية آتيةٌ لا ريب فيها، فيعلق قائلًا أنت تريد العودة بنا إلى باب اليمن.
وآخر أنت تقول إنه كان يفترض إعلان التعددية الحزبية وكذا مراجعة قوانين التاميم وإعادة الممتلكات المؤممة لأصحابها والأراضي لملاكها قبل الذهاب الى كارثة العام 1990م، فيعلق قائلًا هذا اشتراكي يريد أن يعيد النظام الشمولي.
وثالث أنت تقول إن الجنوب الجديد لن يكون استنساخًا لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ولا لاتحاد الجنوب العربي ولا للجمهورية اليمنية، وإنما جنوبًا جديدًا لكل ابنائه بكل اطيافهم ومناطقهم وتكويناتهم السياسيه والمهنيه، يقول لك هذا يريد ان يعيدنا الى زمن الحزب الواحد.
لكن أطرف ما استمعت اليه من التعليقات جاءت على لسان رفيق اشتراكي سابق يقول إنه لم يدمر الجنوب العربي إلَّا الحزب الاشتراكي وقد رددت عليه بالقول: لا بأس يا رفيقي العزيز، على الحزب الاشتراكي أن يعيد لكم السكة الحديد والتليفريك الذين بناهما لكم "الجنوب العربي" وأن يعيد لكم الاكاديميات والمستشفيات الحديثة ومراكز العلاج المجاني والتعليم المجاني والكليات العسكرية والأمنية وكليات الطيران ومراكز البحث العلمي والصناعات الثقيلة التي بناها الجنوب العربي.
عمومًا إن أهم ما تبدى لي من تعليقات البعض (غير القليل من المعلقين) قضيتان: الأولى تتمثل في الحرب المعلنة على تاريخ تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ليس من منطلق النقد والتقييم، ولكن من منطلق الشيطنة والعدائية والإدانة؛ والثانية غياب الفهم الصحيح لمفهوم الدولة، حيث يعتبر البعض طابع البريد أو العملة أو العلم، أو مقال لهذا القائد أو تصريح لذاك الزعيم دليلًا كافياً على وجود دولة، ولأن الحيز لا يتسع فسأتوقف عند هاتين القضيتين في تناولة لاحقة بإذن الله.