آخر تحديث :الثلاثاء - 19 مايو 2026 - 01:51 م

كتابات واقلام


بمناسبة 22 مايو .. هل حقا هناك وحدة يمنية؟

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 01:51 م

عارف ناجي علي
بقلم: عارف ناجي علي - ارشيف الكاتب


منذ إعلان قيام الوحدة اليمنية 1990 بين الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ظل هذا الحدث واحدا من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ اليمني المعاصر فبينما ينظر إليه رسميا كمنجز وطني تاريخي يراه قطاع واسع من أبناء الجنوب تجربة لم تكتمل بل تحولت في نظرهم إلى مسار مختلف تماما عما كان مامولًا.

لقد قامت فكرة الوحدة في جوهرها على مشروع شراكة سياسية واقتصادية وثقافية بين دولتين يفترض ان تذوب فيهما الفوارق لصالح دولة مؤسسات وقانون تحفظ الحقوق وتضمن العدالة.

غير أن ما حدث لاحقا كشف عن اختلال عميق في ميزان هذه الشراكة حيث لم تتاسس الوحدة على قواعد متينة من التكافؤ بل سرعان ما طغت عليها ممارسات الإقصاء والتهميش.

شكلت حرب صيف 1994 نقطة التحول الأخطر إذ لم تكن مجرد صراع سياسي بل محطة اعادت صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب بالقوة.

بعد تلك الحرب برزت ملامح واقع جديد تمثل في اقصاء الكوادر وتفكيك البنية المؤسسية التي كانت قائمة في الجنوب إلى جانب تراجع دور الدولة لصالح شبكات النفوذ كما ارتبطت تلك المرحلة بخطاب ديني وسياسي متشدد اسهم في تعميق الانقسام المجتمعي بدلا من ترميمه.

من هنا يتشكل سؤال جوهري هل كانت الوحدة مشروع اندماج حقيقي ام مجرد عملية ضم سياسي فرضتها موازين القوة؟
الإجابة ليست بسيطة ولا يمكن اختزالها في موقف واحد فالوحدة كمبدا لا تزال تمثل حلما مشروعا لكثير من اليمنيين شمالا وجنوبا لكنها في التطبيق واجهت اختلالات جسيمة.
المشكلة إذا لم تكن في فكرة الوحدة بحد ذاتها بل في الطريقة التي أاديرت بها وفي غياب الضمانات التي تحميها من الانحراف.

اما اليوم وفي ظل الأوضاع الراهنة يعود السؤال بصيغة اكثر الحاحا هل توجد ارادة حقيقية لاعادة بناء وحدة عادلة؟ ام ان شعار الوحدة لا يزال يستخدم كغطاء لصراعات السلطة والنفوذ؟

واقع الحال يشير الى ان الثقة بين الأطراف قد تاكلت بشكل كبير وان اي حديث عن وحدة مستقبلية لا يمكن ان ينجح دون معالجة جذرية لمظالم الماضي وفي مقدمتها قضايا الإقصاء ونهب الموارد وتهميش الإنسان كما ان استعادة معنى الوحدة تتطلب مشروعا وطنيا جديدا يقوم على الشراكة المتكافئة والاعتراف المتبادل وبناء دولة قانون لا تميز بين مواطنيها.

ان الوحدة الحقيقية لا تفرض بالقوة ولا تدار بعقلية الغلبة بل تبنى على الرضا والعدالة وما لم تتحقق هذه الأسس سيبقى السؤال قائما هل نعيش وحدة حقيقية ام مجرد عنوان بلا مضمون؟

في المحصلة يمكن القول ان الوحدة اليمنية كفكرة لم تمت لكنها تحتاج إلى اعادة تعريف وتصحيح مسار فإما ان تستعاد كعقد عادل بين جميع اليمنيين او تظل مجرد ذكرى تاريخية مثقلة بالجدل والانقسام.

وفي ضوء كل ما سبق يبدو ان الوحدة اليمنية بصيغتها التي اعلنت عام 1990 قد فقدت مضمونها الحقيقي ولم تعد تعبر عن شراكة عادلة بين طرفين بل تحولت بفعل الممارسات والصراعات الى واقع مختلف تماما عما كان مامولا وعليه فإن اعادة طرح شكل الدولة لم يعد ترفا سياسيا بل ضرورة وطنية.

ولعل الخيار الأكثر واقعية اليوم يتمثل في اعادة بناء العلاقة على اسس جديدة عبر نظام فيدرالي واضح المعالم يقوم على إقليمين رئيسيين شمال وجنوب بما يضمن شراكة متكافئة ويمنح كل طرف القدرة على إدارة شؤونه بعيدا عن الهيمنة والإقصاء.

فالوحدة التي لا تقوم على العدالة لا يمكن ان تستمر والدولة التي لا تعترف بتنوعها محكومة بالأزمات وبين فشل الماضي وتحديات الحاضر يبقى الأمل مرهونا بإرادة صادقة تعيد صياغة المستقبل على قاعدة الشراكة لا الغلبة والعدالة لا الإقصاء.