آخر تحديث :السبت - 23 مايو 2026 - 10:33 م

كتابات واقلام


لقاءات المجلس الانتقالي الموسعة: أنهت فرحة كتاكيت الوحلة وفئات البنكسة المجتمعية

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 09:50 م

د.أمين العلياني
بقلم: د.أمين العلياني - ارشيف الكاتب


في مشهدية سياسية نادرة، توشّحت فيها ساحات الجنوب بأكاليل الحناجر الهادرة، والهامات الشامخة التي أبت إلا أن تسطّر ملحمة الحضور الواعي، تجلّت عبقرية القيادة الميدانية للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي في إعادة تشكيل المشهد السياسي من قواعده الصلبة، لا من شرفات الفنادق المكيّفة ولا من دهاليز الغرف المغلقة التي لطالما احتضنت مؤامرات الالتفاف على الإرادة الشعبية الجنوبية.

لقد جسّدت قيادة مجلسنا الانتقالي الجنوبي العربي الميدانية جهودًا جبّارة، واعية، سياسية ووطنية، أعادت بها زمام المبادرة إلى واجهة المشهد، حيث الجماهير هي السيد، وحيث الكلمة للشارع قبل القاعة، وحيث يتنفس القرار من رئة الشعب لا من أجهزة التكييف المركزية في أروقة السفارات. لقد أثبتت هذه القيادة، وهي تخوض غمار المرحلة بدهاء السياسي المحنّك وإيمان الثائر الصادق، أن الحضور الجماهيري ليس منصّة للتصفيق المؤقّت، بل هو الميزان الحقيقي لشرعية التمثيل، والمحكّ الذي تتكسّر على صخوره كل محاولات التجاوز والوصاية.

ولقد استطاعت قيادتنا الميدانية الرشيدة أن تضرب عصفورين بحجرة سياسية واحدة، في تلك اللقاءات الموسعة التي دشّنتها من بوابة الصمود والثبات في الضالع، مرورًا بلحج ووادي حضرموت، وصولًا إلى عدن وكل بقية محافظات شعب الجنوب العربي. حجرةٌ سياسيةٌ أُحكمت قبضتها، وانطلقت بدقةٍ أربكت حسابات المتربصين، فإذا بها تصيب مقتلًا في صدر المشاريع المشبوهة، وتُطيح برأس الحية التي ظنّت أن بإمكانها الرقص على جراح الجنوبيين.

أما الكتكوت الأول الذي أردته هذه الحجرة السياسية قتيلًا، فكان فرحة "كتاكيت الوحلة" التي ظنّوا للحظةٍ خاطفة أن عدن مهيأة للظهور، وأن اللحظة قد حانت لالتقاط صورة النصر المزعوم للاحتفال في ساحاتها وشوارعها متناسين أن عدن ليست مجرد مدينة تُفتح بالمؤامرات، بل هي قلعة الصمود التي لا تُقتحم إلا بإرادة أبنائها الأحرار. وجاءت كلمة الهارب العليمي متناسقة مع كلمة مهدي المشاط تناسق الظل مع جسده، وكأن رباطًا خفيًا يشدّ أحدهما إلى الآخر، يجمعهما هدف واحد مستفز: أن يمنّوا على جنوبنا بعدالة مشروطة باليمننة، يجعلها المشاط حتمية مقدسة بالدين، ويجعلها العليمي قدرًا مفروضًا بالمرجعيات والقرارات الدولية. فانكشف القناع، وسقطت الأقنعة، وانكشفت اللعبة المكشوفة التي يتقاسم أدوارها خصوم الأمس ليبقى الجنوب هو الضحية الدائمة في نظرهم وآمالهم الخيالية.

أما الكتكوت الثاني الذي سوف يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة هذه الحجرة السياسية ذاتها، فكان مشروع "البنكسة" الذي يجيد صناعته وسوف ينفذه المحافظون الجدد، أولئك الذين يسعون ليلًا ونهارًا إلى استقطاب فئات مجتمعية بعينها، يصطفونها كما تُصطف قطع الشطرنج، لتكون هي من تمثل إدارة الشعب في حوار الرياض المزعوم. وكأن إرادة الملايين يمكن اختزالها في تسع فئات، تُنتقى بعناية من غرف المهمّشين السياسيين، وتُقدّم للمجتمع الدولي على أنها "تمثيل المجتمع الجنوبي"!

وهنا تكمن المفارقة الكبرى، والمأساة التي تحاول أن تُفرض على الجنوب فرضًا: إنهم يتحركون في مسار دائري مفرغ، يحاولون تجاوز إرادة شعب الجنوب العربي عبر هندسة فئات مجتمعية مصطنعة، فإذا ما اصطدمت نواياهم الخبيثة بمتاهات التشظي الجنوبي – تلك المتاهات التي تعمل عليها اللجنة الخاصة بالمخابرات السعودية منذ عشر سنوات كاملة – عادوا أدراجهم ليقولوا بكل تبجّح: "إرادة الشعب هي الفيصل بيننا".

فيا تُرى، أي شعب هذا الذي تتحدثون عنه؟ أي إرادة تلك التي تلوذون بها بعد أن استنفدتم كل محاولات الالتفاف عليها؟ إذا كانت إرادة الشعب هي الفيصل حقًا، فلماذا تحاولون الآن تجاوزها باختيار فئات تسمونها "المجتمعية التسع"؟ ألستم أنتم من ظننتم أن الجنوب بلا بوصلته، وأن بإمكانكم أن تعيدوا إنتاج نموذج الوصاية ذاتها تحت يافطات جديدة؟ إن السؤال يظل معلقًا في حلق كل جنوبي غيور: لماذا تذكرون إرادة الشعب فقط حين تصطدم مخططاتكم بصخرة الواقع، وتتناسونها حين ترسمون مساراتكم في الغرف المغلقة؟

وهكذا تصبح هذه اللقاءات الجنوبية الموسعة، التي تديرها قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي العربي الميدانية، هي خط الدفاع الأول عن مكتسبات الشعب التي رواها بدمائه، وهي السياج المنيع الذي يحمي إرادته من القفز عليها، وهي الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات التجاوز والالتفاف، وهي الضمانة الحقيقية للحفاظ على الإرادة التفويضية التي منحها هذا الشعب للرئيس الرمز عيدروس الزبيدي.

إن التاريخ، وهو يكتب سطوره الناصعة، لا يسجّل أسماء الذين جلسوا في الغرف المكيّفة يرسمون خرائط الأوهام، بل يسجّل أسماء الذين نزلوا إلى الميادين، ووقفوا في وجه العواصف، ورفعوا راية الشعب عاليًا لا تُطاول ولا تُدنس. وتلك هي رسالة هذه اللقاءات التي دوّت أصداؤها في كل ربوع الجنوب: أن الإرادة الجنوبية عصيّة على الترويض، وأن السيادة ليست سلعة تُباع وتُشترى، بل هي روح تسري في جسد كل جنوبي حر، وعنوانها الذي لا يقبل التأويل: الرئيس عيدروس الزبيدي، قائدًا ورمزًا للمشروع الوطني الجنوبي حتى النصر.