آخر تحديث :الأحد - 07 يونيو 2026 - 11:54 م

كتابات واقلام


اليمن الديمقراطية : دولة المؤسسات والإنجازات لا "النواحة المستأجرة"" يا شرع

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 11:18 م

احمد حرمل
بقلم: احمد حرمل - ارشيف الكاتب


عندما يتناول البعض تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بعينٍ سطحيةٍ مغرضة، كما فعل السيد حسين الشرع -والد الرئيس السوري الحالي- فإنه يتجاهل عن قصد أو جهل حقائق تاريخية موثقة بالدليل والبرهان.

لم تكن تلك التجربة مجرد كيان سياسي عابر كما يحاول البعض تصويره، بل كانت نموذجاً طليعياً في العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، حيث صار الناس أمام القانون سواءً، ونال الجميع حقهم في التعليم والعلاج مجاناً، إلى جانب حملاتٍ وطنيةٍ موسعةٍ للقضاء على الأمية واستئصال الأمراض السارية.

لقد كانت دولةً مهابةً مستقرةً، ذات مؤسسات راسخة، وأسس حضارية متينة.

إن وصف قيادة تلك الدولة بـ"الغوغاء" -كما جاء على لسان الشرع- ليس مجرد تجنٍّ على التاريخ، بل هو دليل واضح على الجهل بسير الرجال.

ويكفي أن نستحضر موقف عدن المشرف من القضية الفلسطينية، حين فتحت موانئها وأرضها للفصائل الفلسطينية المسلحة بعد إخراجها من بيروت عام 1982.

ذلك الموقف وحده كافٍ لأن يُخلَّد في صفحات تاريخنا القومي كأصدق وأجرأ المواقف العربية.

وما يثير السخرية حقاً هو ذلك الحكي العجيب الذي ساقه الشرع في مقابلته مع قناة "العربي" ضمن بودكاست، حيث زعم أن قادة اليمن الجنوبي اشتروا ثلاث دبابات من الاتحاد السوفيتي بهدف تحرير فلسطين! وهنا نسأل: من أين استقى السيد الشرع هذه الرواية التي لا تصمد أمام أدنى منطق أو توثيق؟

هل كان مستشاراً للرئيس بريجنيف فحضر لقاءاته مع وفود اليمن الديمقراطية ؟ أم كان عضواً في تلك الوفود ليروي ما دار في كواليس الحكم السوفيتي؟ أم أنه يجهل -ببساطة- أن علاقة الاتحاد السوفيتي باليمن الديمقراطي كانت استراتيجيةً كبرى، تجاوزت "ثلاث دبابات" بكثير، إذ زودها بصواريخ سكود والطائرات المتطورة والعتاد الثقيل، ودرب جيشها حتى أصبح واحداً من أقوى جيوش المنطقة؟

إن اختزال علاقة استراتيجية كبرى بهذا الشكل الساذج لا يكشف إلا عن سطحية الطرح وسخافة الرواية.

فات السيد الشرع -وهو يتحدث عن سالمين وعبد الفتاح وعلي عنتر ورفاقهم - أن هؤلاء القادة لم يكونوا من أسرة نبوية أو هاشمية كما يدعي هو لنفسه، بل كانوا من عامة الناس وبسطائهم. كانوا ثوار ثورة 14 أكتوبر المجيدة، وصلوا إلى مواقعهم بفضل نضالهم وتضحياتهم، ونزاهتهم وصدقهم، وتواضعهم وخلقهم الرفيع. ولذلك أحبتهم الجماهير واحترمتهم بجدارة واستحقاق.

وهذا النموذج القيادي الأصيل ينسف تماماً فكرة أن الاحترام يُبنى على النسب أو الانتماء السلالي، ويؤكد حقيقة خالدة ان المجد والمكانة وحب الناس تأتي من معيار حب الوطن والاخلاص له والوفاء لتضحيات الشعب وعمل على تحقيق تطلعاته، لا من الوراثة والانتساب.

وحين يفاخر الرجل بأنه من "عائلة نبوية" وأن احترام الناس له قائم على مكانة اجتماعية موروثة، فإننا ندرك أن العقلية التي تحكم طرحه ليست عقلية المشاريع والرؤى، بل عقلية متدنية تقتات على الرموز الفارغة والأحساب البالية.

فالعقليات كما هو معروف ثلاث:

· عقلية راقية تتحدث عن مشاريع وأفكار مستقبلية.
· عقلية وسطى تتحدث عن أحداث وظواهر.
· عقلية متدنية لا ترى أبعد من الأشخاص والأحساب.

والسيد الشرع يتأرجح بين الوسطى والمتدنية، بعيداً كل البعد عن العقلية الراقية التي تبني الأمم وتؤسس للحضارات.

والأدهى أن الشرع الذي بدا كاناحة المستاجرة يتجاهل -بل يسخر من موقف النظام في الجنوب من القضية الفلسطينية بل ومن
شخصيات قومية عربية خالصة مثل نايف حواتمة، الذي وإن كان أردني الجنسية، فقد نذر حياته للقضية الفلسطينية. وهذا يؤكد أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالدم أو النسب، بل بالموقف والالتزام والعمل الجاد.

إن الرد على مثل هذه الطروحات لا يكون بالانفعال والعاطفة، بل بتذكير الجميع بالحقائق الثابتة:
جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كانت دولة مؤسسات وإنجازات اجتماعية وتعليمية وصحية مشهودة، وقفت المواقف القومية المشرفة بجرأة وصدق. وفي المقابل، لا يملك منتقدوها اليوم إلا نسباً يتفاخرون به، وروايات هزيلة عن "ثلاث دبابات"، وعقلية تتأرجح بين السطحية والتعصب، بعيدة كل البعد عن العقلية الراقية التي تصنع التاريخ وتحترم إنجازات الشعوب.

المصادر التاريخية: شهدت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990) إنجازات فريدة في العالم العربي، منها خفض الأمية من 90% إلى 30% خلال عقدين، وتوفير الرعاية الصحية المجانية للجميع.