آخر تحديث :السبت - 20 يونيو 2026 - 01:56 م

كتابات واقلام


السعودية وحكمة الوصاية.. خيرٌ من العلاج

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 12:47 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي سيقلي/ شيحان الإخبارية

20 يونيو 2026
في عالم الطب يقولون إن الوقاية خير من العلاج، أما في عالم السياسة العربية فقد طورت بعض الدول النظرية قليلاً حتى أصبحت: "الوصاية خير من العلاج".
فلماذا تنتظر دولة ما حتى يقع الجار في الخطأ ثم تعالجه، بينما تستطيع أن تمنعه أصلاً من التفكير؟ ولماذا تسمح له بأن يقرر مصيره ثم تتدخل لإصلاح النتائج، بينما يمكنها ـ من باب الحرص الأخوي طبعاً ـ أن تتولى القرار عنه منذ البداية؟
إنها فلسفة سياسية متقدمة جداً، لا يفهمها أصحاب العقول التقليدية الذين ما زالوا يعتقدون أن الشعوب الراشدة تستطيع إدارة شؤونها بنفسها.
في منطقتنا العربية، هناك دول بلغت من الحكمة مبلغاً جعلها تشعر بالقلق كلما حاول شعب ما أن يتصرف كأنه صاحب الأرض والقضية والقرار. فالشعوب، كما يبدو، مخلوقات عاطفية ومندفعة، بينما الوصاية كائن عاقل ومتزن يعرف ما تريده الشعوب أكثر مما تعرفه هي عن نفسها.
تخيل مثلاً أن مواطناً أراد أن يختار مستقبله بنفسه، أو أن حركة سياسية قررت أن تحدد أولوياتها وفقاً لمصالح جمهورها، أو أن شعباً بدأ يتحدث عن حقوقه الوطنية بلغته الخاصة. هنا تدق أجراس الإنذار فوراً، لأن الجرعة الزائدة من الاستقلال قد تؤدي إلى أعراض جانبية خطيرة مثل الكرامة السياسية أو الشعور بالسيادة أو الإيمان بحق تقرير المصير.
ولأن جيراننا الأشقاء لا يتركون أحداً يقع في هذه المخاطر وحده، فإنهم يتدخلون سريعاً لتقديم المساعدة اللازمة، والتي قد تأتي أحياناً على شكل نصيحة، وأحياناً على شكل ضغط، وأحياناً على شكل إعادة هندسة كاملة للمشهد السياسي حتى ينسجم مع مفهوم "المصلحة المشتركة" الذي غالباً ما يكون مشتركاً من طرف واحد فقط.
والجميل في الأمر أن الوصاية لا تعترف أبداً بأنها وصاية. فهي تظهر دائماً بملابس مختلفة: مرة باسم الحفاظ على الاستقرار، ومرة باسم وحدة الصف، ومرة باسم التوافق، ومرة باسم حماية المنطقة من الفوضى، ومرة باسم الأمن القومي، أما المواطن البسيط الذي يحاول فهم ما يجري، فيكتشف بعد سنوات أن الاستقرار المقصود هو استقرار القرار في مكان واحد، وأن التوافق يعني موافقة الجميع على رأي واحد، وأن حماية المنطقة من الفوضى تبدأ عادة بإلغاء حق الآخرين في ترتيب بيوتهم بأنفسهم.
في اليمن عموماً، وفي الجنوب خصوصاً، أصبحت هذه الفلسفة مألوفة إلى حد كبير. فكلما حاول الجنوبيون الاقتراب من طاولة تقرير مصيرهم، ظهرت فجأة مدرسة سياسية جديدة تشرح لهم أن الوقت غير مناسب، والظروف غير مواتية، والمنطقة لا تحتمل، والعالم غير مستعد، وأن عليهم الانتظار قليلاً، فقط قليلاً، ثم قليلاً آخر فوق البيعة، ثم قليلاً إضافياً حتى يصبح الانتظار نفسه مشروعاً سياسياً قائماً بذاته.
والأطرف أن أصحاب الوصاية يطالبون الآخرين بتحمل المسؤولية الكاملة عن الفشل، بينما يحتفظون لأنفسهم بحق التدخل الكامل في القرار. فإذا نجح المشروع قالوا إنه ثمرة حكمتهم، وإذا فشل قالوا إن أصحاب القضية إختلفوا فيما بينهم ولم يحسنوا إدارة قضيتهم.
إنها معادلة عبقرية تستحق التسجيل كبراءة اختراع سياسية.
لكن التاريخ، ذلك المشاغب الذي لا يحترم التعليمات، أثبت مراراً أن الشعوب قد تتأخر لكنها لا تتقاعد عن المطالبة بحقوقها. وأن الوصاية مهما تجملت بالمبررات تبقى وصاية، ومهما ارتدت ثياب الحكمة تبقى بديلاً مؤقتاً عن الإرادة الحرة، لا أكثر.
فالاستقرار الحقيقي لا يصنعه من يمسك القرار نيابة عن الآخرين، بل من يمنحهم الحق في امتلاكه. والسيادة لا تنمو تحت ظلال الوصاية مهما كانت نوايا الوصي حسنة. أما الشعوب، فإنها تتعلم من أخطائها أكثر مما تتعلم من تعليمات الآخرين.
لهذا ربما آن الأوان لتحديث الحكمة القديمة قليلاً.
فالوقاية قد تكون خيراً من العلاج في الطب، لكن في السياسة تظل الحرية خيراً من الوصاية، مهما حاول الوصي فرض نفسه بقوة المال والفتنة والسلاح.