آخر تحديث :الإثنين - 29 يونيو 2026 - 07:27 م

كتابات واقلام


النقد الذاتي ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل القضية الجنوبية

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 06:33 م

د.توفيق جوزوليت
بقلم: د.توفيق جوزوليت - ارشيف الكاتب


النقد الذاتي ضرورة استراتيجية لضمان مستقبل القضية الجنوبية و تعزيز المشروع الوطني للمجلس الإنتقالي

النقد الذاتي أحد أهم عوامل نجاح الحركات التحررية في العالم، لأنه ليس اعترافًا بالهزيمة، بل أداة لتصحيح المسار وتعزيز الشرعية السياسية. فالحركات التي استطاعت الانتقال من مرحلة المقاومة إلى بناء الدولة لم تحقق ذلك بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بقدرتها على مراجعة أخطائها وتطوير مؤسساتها.

ومن أبرز أهمية النقد الذاتي:

* تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى أزمات بنيوية.
* تعزيز ثقة الجمهور عندما يرى أن القيادة تخضع للمساءلة ولا تعتبر نفسها معصومة من الخطأ.
* تطوير الأداء السياسي والإداري من خلال الاستفادة من التجارب السابقة.
* حماية المشروع الوطني من الجمود والانقسامات، لأن غياب النقد غالبًا ما يؤدي إلى تكرار الأخطاء وتراكمها.
* الانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية الدولة، وهي مرحلة تتطلب مؤسسات قادرة على التقييم والمحاسبة.

وتُظهر تجارب عدد من حركات التحرر، مثل المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا، وجبهة التحرير الوطني في الجزائر، ومنظمة التحرير الفلسطينية، أن المراجعات الداخلية كانت جزءًا من مسيرتها، وإن اختلفت نتائجها وعمقها من حالة إلى أخرى.

أما بالنسبة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، فإن الإجابة لا يمكن أن تكون قطعية، لكنها تطرح سؤالًا سياسيًا مشروعًا: هل تحتاج أي حركة تسعى لقيادة مشروع وطني إلى مراجعة ذاتية دورية؟

إذا كان الهدف هو بناء مشروع مستدام للقضية الجنوبية، فإن إجراء نقد ذاتي مؤسسي قد يكون ذا قيمة في تناول قضايا مثل:

* تقييم الأداء السياسي والدبلوماسي.
* مراجعة أساليب اتخاذ القرار ومدى مؤسسيتها.
* تقييم العلاقة مع القوى الجنوبية المختلفة وإدارة التعددية.
* تقييم أداء الهيئات المتخصصة، بما فيها مراكز الدراسات والدوائر السياسية، ومدى تأثيرها في صناعة القرار.

ولا ينبغي أن يُفهم النقد الذاتي بوصفه تشكيكًا في القضية أو تخليًا عنها، بل النظر إليه باعتباره وسيلة لتقوية المشروع السياسي. وفي المقابل، فإن تجاهل النقد أو حصره في إطار الولاء والمعارضة قد يحدّ من فرص التطوير المؤسسي ويؤثر في قدرة أي حركة على التكيف مع المتغيرات.

إن الحركات التحررية التي تنجح في تحقيق أهدافها ليست تلك التي تدّعي الكمال، وإنما تلك التي تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها. وإذا كانت القضية الجنوبية تسعى إلى بناء دولة ذات مؤسسات، فإن ترسيخ ثقافة النقد الذاتي المؤسسي يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز الحوكمة، وتوسيع المشاركة، وتحسين الأداء. وفي هذا الإطار، يصبح النقد البنّاء عنصرًا من عناصر القوة السياسية، لا علامة على الضعف.