آخر تحديث :الأحد - 28 يونيو 2026 - 10:08 م

كتابات واقلام


بين الوطنية... وصناعة الصنم

الأحد - 28 يونيو 2026 - الساعة 09:23 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


الأحد الموافق 28 يونيو 2026

نشرت صحيفة عكاظ، في 17 مايو 2026، مقالًا للكاتب عبداللطيف آل الشيخ بعنوان «لا يصحّ إلا المملكة العربية السعودية». ولأن المقال لم يكن مجرد تعبير عن الاعتزاز بالوطن، بل قدّم أحكامًا مطلقة ارتقت بالدولة إلى مرتبة الاستثناء الذي "لا يصح إلا به"، فقد رأيت أن أتوقف عند هذا الطرح، لا خصومةً مع المملكة العربية السعودية، ولا انتقاصًا من مكانتها، وإنما احترامًا للعقل الذي لا يستقيم مع الأحكام المطلقة، وللإعلام الذي يفترض أن يبني الوعي، لا أن يصنع اليقين المغلق.

إن اعتراضي ليس على المملكة، فهي دولة عربية ذات ثقل سياسي واقتصادي، ولها منجزاتها كما أن عليها تحدياتها، شأنها شأن كل دول العالم. وإنما اعتراضي على الخطاب الذي يحول أي دولة إلى كيانٍ فوق النقد، ويجعل الإشادة بها أقرب إلى العقيدة منها إلى الرأي، وإلى التمجيد أكثر من كونها قراءةً سياسية موضوعية.

فالوطنية لا تُقاس بارتفاع سقف المديح، وإنما بصدق الكلمة. والدول لا تكبر لأن إعلامييها يكتبون عنها أنها الأعظم، بل تكبر حين تملك منجزًا يجعل الآخرين يقولون ذلك دون أن تطلب منهم.

لقد شدني في المقال أنه لم يترك مساحةً للنسبية، ولا للاختلاف، ولا لتعدد التجارب، بل اختزل المشهد كله في عبارة واحدة: "لا يصح إلا...". وهذه ليست لغة تحليل، بل لغة يقينٍ مغلق، وكأن التاريخ توقف، وكأن العالم انتهى عند حدود تجربة واحدة.

أي منطق يقود الإعلامي إلى هذا المستوى من القطع والجزم؟ وهل وظيفة الكاتب أن يقرأ الواقع كما هو، أم أن يعيد تشكيله بما يوافق عاطفته؟ فالإعلام، حين يفقد المسافة بينه وبين موضوعه، يتحول من سلطةٍ تراقب إلى منصةٍ تبرر، ومن عقلٍ ناقد إلى صوتٍ يكرر ما يريد الناس سماعه.

إن امتلاك الثروة ليس مرادفًا لامتلاك الحضارة، كما أن القوة الاقتصادية لا تعني بالضرورة التفوق العلمي أو الصناعي أو المعرفي. فالعالم لا يقيس مكانة الأمم بما تختزنه الأرض من ثروات، وإنما بما تنتجه العقول من أفكار، وما تصنعه الأيدي من ابتكار، وما تضيفه الدول إلى الحضارة الإنسانية.

ومن حق أي شعب أن يفخر بوطنه، لكن ليس من حق أي إعلامي أن يصادر حقائق التاريخ، أو أن يوهم الناس بأنهم بلغوا ما لم يبلغه غيرهم، بينما لا تزال مفاصل الحياة الحديثة، من التقنية إلى الصناعة والبحث العلمي، تقوم على جهود أمم أخرى صنعت المعرفة قبل أن تبيع منتجاتها.

إن أخطر ما يفعله خطاب التمجيد أنه يقنع الشعوب بأنها وصلت، بينما هي لا تزال في منتصف الطريق. وعندما يقتنع المجتمع بأنه يعيش التجربة الأكمل، يفقد الدافع إلى السؤال، وتتراجع الحاجة إلى النقد، ويصبح كل صوتٍ مختلف متهمًا بأنه ينتقص من الوطن، بينما الحقيقة أنه قد يكون أكثر الناس حرصًا عليه.

وليس المقصود هنا التقليل من شأن المملكة، أو إنكار ما تحقق فيها من تطورات ومشروعات كبيرة، فذلك يجافي الإنصاف. لكن الإنصاف نفسه يقتضي ألا تتحول الإنجازات إلى ذريعة لإعلان الكمال، ولا النجاحات إلى مبرر لإلغاء بقية التجارب الإنسانية.

لقد تقدمت الأمم لأنها احترمت النقد، لا لأنها جرّمته. وازدهرت لأنها اعترفت بنواقصها قبل أن تحتفل بإنجازاتها. أما المجتمعات التي أدمنت التصفيق، فقد ظلت تردد أنها في المقدمة، بينما كانت تتراجع بصمت.

الإعلام الحقيقي لا يصنع أصنامًا، بل يصنع وعيًا. ولا يطلب من الناس أن يصدقوا كل شيء، بل يعلمهم كيف يسألون عن كل شيء. فالكلمة التي ترفع منسوب الوعي أصدق ألف مرة من الكلمة التي ترفع منسوب التصفيق.

ولهذا فإن الوطنية، في أسمى معانيها، ليست أن نكتب أن أوطاننا لا مثيل لها، بل أن نكتب ما يجعلها تستحق أن تكون كذلك. فبين الوطنية الصادقة وصناعة الصنم مسافةٌ شاسعة؛ الأولى تبني المستقبل، والثانية تكتفي بترديد أمجادٍ لا يصنعها إلا العمل.

ويبقى السؤال الذي تركه مقال عبداللطيف آل الشيخ مفتوحًا، ولكن بصيغة أخرى: هل تحتاج الدول العظيمة إلى من يقول عنها: "لا يصح إلا هي"، أم أن عظمتها الحقيقية تكمن في أن تتحدث عنها إنجازاتها، لا عبارات المبالغة التي يكتبها المصفقون؟