آخر تحديث :الإثنين - 29 يونيو 2026 - 07:27 م

كتابات واقلام


اغتيال السمعة... باسم الابتزاز الصحفي

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 07:17 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


الإثنين الموافق 29 يونيو 2026

ليست كل إساءة تُنشر على الملأ صحافة، وليست كل فضيحة تُروى للرأي العام انتصارًا للحقيقة، كما أن رفع شعار مكافحة الفساد لا يمنح أحدًا صكًّا أخلاقيًا يبيح له اغتيال سمعة الناس، أو تحويل المنابر الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات.
فالصحافة، في جوهرها، مهنة تبحث عن الحقيقة، بينما الابتزاز يبحث عن الضحية. الصحافة تُقيم الدليل، أما الابتزاز فيكتفي بالإيحاء. الصحافة تمنح المتهم حق الرد، أما المبتز فلا يعنيه سوى أن يظل الاتهام معلقًا في أذهان الناس، حتى وإن سقط أمام القضاء أو الحقيقة.

المؤسف أن بعض المحسوبين على الصحافة أدركوا مبكرًا أن الشهرة سلطة، وأن الجمهور يمنح ثقته بسهولة لمن يتقن الخطابة ويجيد صناعة البطولة الوهمية. فاستغلوا تلك المساحة، لا لخدمة المجتمع، بل لبناء نفوذ شخصي، وتحويل القلم إلى وسيلة ضغط، والكلمة إلى ورقة مساومة.

يتحدثون كثيرًا عن المبادئ، ويبالغون في رسم صورة المثالية لأنفسهم، حتى يخيل للمتابع أنهم أوصياء على الأخلاق العامة، بينما تكشف المواقف أن تلك المثالية ليست سوى قناع يرتدونه حين تخدمهم، ويخلعونه متى تعارضت مع مصالحهم.

والأخطر من ذلك أنهم نجحوا، أحيانًا، في استغلال ثقة الجمهور. فحين يعتاد الناس تصديق كل ما يُنشر دون تمحيص، يصبح من السهل توجيه الرأي العام، وصناعة خصوم، وتشويه شخصيات، وإصدار أحكام لا تستند إلى وثيقة ولا إلى تحقيق مهني، وإنما إلى سردية أحادية صاخبة، هدفها التأثير لا الحقيقة.
ولأن السمعة تُبنى في سنوات، وقد تُهدم في دقائق، أصبح اغتيالها تجارة رائجة عند من يخلطون بين النقد والتشهير، وبين حرية التعبير وحرية الإساءة. فهم لا يناقشون الفكرة، بل يطاردون صاحبها، ولا يواجهون الخطأ، بل يستهدفون صاحبه، في ممارسة لا تختلف في جوهرها عن الاغتيال المعنوي.

ومن أكثر الأساليب خطورة أن تُشن الحروب على الشرفاء تحت لافتة "الاستشراف" أو "كشف ما وراء الكواليس". فيتحول الظن إلى حقيقة، والإشاعة إلى خبر، والتوقع إلى إدانة، بينما يغيب الدليل وتحضر الإثارة. وهنا لا يعود الهدف خدمة الرأي العام، بل صناعة الضجيج، لأن الضجيج يحقق شهرة، والشهرة تفتح أبواب النفوذ.

إن النقد قيمة نبيلة حين يكون منصفًا، لكنه يفقد قيمته عندما يصبح انتقائيًا، أو يُستخدم لإخضاع الآخرين، أو لتحقيق مصالح خاصة. فالقلم الذي يُباع مرة، لن يستعيد هيبته بسهولة، والمنبر الذي يتحول إلى أداة ابتزاز يفقد رسالته، مهما تزين بالشعارات.
ولعل أخطر ما يفعله الابتزاز الصحفي أنه لا يقتل الأشخاص وحدهم، بل يقتل ثقة المجتمع في الصحافة نفسها. فعندما يعجز الناس عن التمييز بين الصحفي المهني والمبتز، تصبح المهنة كلها موضع شك، ويدفع الشرفاء ثمن ممارسات لا علاقة لهم بها.
ولهذا، فإن الدفاع عن الصحافة يبدأ من فضح من يسيئون إليها، لا من التستر عليهم. فالمهنة لا يحميها الصمت، وإنما يحميها الالتزام بأخلاقياتها، واحترام الحقيقة، وصيانة كرامة الإنسان، والاحتكام إلى الدليل بدلًا من التشهير.

فالسمعة ليست ساحة للعبث، والقلم ليس سلاحًا للإكراه، والحرية لم تُخلق لتكون غطاءً للابتزاز. ومن يجعل من الصحافة وسيلة لاغتيال الناس، لا يسيء إلى ضحاياه فحسب، بل يرتكب جريمة أخرى في حق مهنةٍ كانت، وستظل، واحدةً من أنبل المهن حين تُمارس بشرف.