آخر تحديث :الأحد - 19 يوليو 2026 - 12:11 ص

كتابات واقلام


ماذا كسبت السعودية من استرضاء الحوثي؟

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 10:29 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في السياسة، قد تلجأ الدول إلى التسويات عندما تفرضها موازين القوى أو ضرورات الأمن، لكن التسوية شيء، وتحويل التنازلات إلى نهج دائم شيء آخر. فعندما يقرأ الخصم أي تراجع على أنه ضعف، فإنه لا يكتفي بما حصل عليه، بل يرفع سقف مطالبه باستمرار.

من هذا المنطلق، يرى كثيرون أن السياسة السعودية تجاه الحوثي خلال السنوات الأخيرة انتقلت من محاولة الحسم العسكري إلى البحث عن ضمانات أمنية بأي ثمن، حتى وإن استدعى ذلك تقديم تنازلات مؤلمة، أو الدخول في تفاهمات بعيدة عن حلفائها الذين وقفوا معها طوال سنوات الحرب.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نظر الحوثي إلى هذه السياسة باعتبارها خطوة نحو السلام، أم اعتبرها اعترافًا بقوته وانتصارًا لمشروعه؟

المؤشرات توحي بأن الحوثي تعامل مع هذه المتغيرات باعتبارها نتيجة مباشرة لضغوطه العسكرية والسياسية، ولذلك لم يُبدِ استعدادًا لتقديم تنازلات مقابلة بقدر ما واصل رفع سقف مطالبه، مستفيدًا من قناعته بأن الطرف الآخر أصبح أكثر حرصًا على تجنب المواجهة من حرصه على فرض شروطه.

ولهذا لم تتوقف المطالب عند وقف العمليات العسكرية، بل امتدت إلى ملفات أكثر تعقيدًا، مثل المرتبات، والتعويضات، والترتيبات الاقتصادية، وغيرها من القضايا التي ترتبط بالدولة اليمنية وسيادتها وثرواتها، وهي ملفات يثير التفاوض بشأنها تساؤلات قانونية وسياسية واسعة، لأن تقريرها - من وجهة نظر كثيرين - يجب أن يكون شأنًا يمنيًا لا يُحسم في تفاهمات ثنائية خارج إطار المؤسسات اليمنية.

وفي الوقت ذاته، لا يبدو أن الحوثي ينظر إلى الوجود السعودي في اليمن باعتباره وضعًا يمكن القبول به على المدى البعيد، بل يواصل خطابه السياسي والإعلامي الذي يصور المملكة خصمًا استراتيجيًا، وهو ما يجعل أي تفاهمات قائمة قابلة للاهتزاز متى ما تغيرت الظروف أو تبدلت موازين القوة.

وإذا كانت المملكة قد راهنت على أن التهدئة ستؤدي إلى خفض التهديدات الأمنية على حدودها، فإن التجارب السابقة تشير إلى أن الجماعات المسلحة لا تتعامل مع التنازل باعتباره نهاية للصراع، بل تعتبره خطوة يمكن البناء عليها لانتزاع مكاسب إضافية.

أما الخاسر الأكبر من هذه المقاربة، فهو الحليف الذي وقف إلى جانب التحالف منذ اليوم الأول. فالقضية الجنوبية، التي قدم أبناؤها آلاف التضحيات في مواجهة الحوثيين والتنظيمات الإرهابية، وجدت نفسها خارج دائرة المشاورات التي قيل إنها ترسم مستقبل اليمن، بينما جرت لقاءات برعاية سلطنة عُمان بعيدًا عن مشاركة معظم القوى اليمنية الفاعلة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة بشأن شمولية تلك العملية السياسية وتمثيلها لجميع الأطراف.

إن أي تسوية لا تقوم على مشاركة جميع القوى المعنية، ولا تراعي حقوق الشركاء الذين تحملوا أعباء الحرب، ستظل تسوية هشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار.

فالسلام الحقيقي لا يُبنى على استرضاء طرف واحد، ولا على تجاوز الآخرين، ولا على تقديم تنازلات متتالية أملاً في شراء الهدوء المؤقت، لأن التجارب تثبت أن السلام الذي يقوم على اختلال ميزان العدالة لا يصمد طويلًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل حققت سياسة التنازلات الأمن الذي كانت تبحث عنه المملكة، أم أنها منحت خصمها مزيدًا من أوراق القوة، بينما خسرت ثقة حلفائها الذين وقفوا معها في أصعب المراحل؟

السبت الموافق 18 يوليو 2026