آخر تحديث :الجمعة - 17 يوليو 2026 - 11:39 م

كتابات واقلام


براءة ذمة أمام الله والتاريخ

الجمعة - 17 يوليو 2026 - الساعة 11:06 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


أعلن، بصفتي مواطنًا جنوبيًا، رفضي المطلق لأي محاولة لجر أبناء الجنوب إلى أعمال قتالية خارج إطار الدفاع المشروع عن أرض الجنوب وحدوده، وأبرئ ذمتي أمام الله وأمام التاريخ وأمام الشعب من كل دعوة تستهدف تحويل الإنسان الجنوبي إلى وقود في صراعات لا تخدم قضيته الوطنية.

إن الأصل في القانون وفي الأخلاق أن مسؤولية أي قرار بالحرب تقع على من يتخذه، وأن مسؤولية نتائجه السياسية والإنسانية لا تنتقل إلى الشعوب التي يُطلب منها دفع الثمن. فلا يجوز أن يُزج بالشباب في ساحات القتال لخدمة حسابات سياسية أو إقليمية لا يملكون قرارها ولا يجنون ثمارها.

لقد عرف الجنوب الحروب أكثر من غيره، ودفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه وخراب مدنه وتشريد أهله. ولذلك فإن من حقه، بل ومن واجبه، أن يرفض إعادة إنتاج المأساة تحت أي شعار كان، وأيًا كانت الجهة التي تدعو إليها.

ولم يعرف التاريخ أن الجنوب كان مشروع عدوان على جيرانه أو سعى إلى احتلال أرض غيره. لقد كانت حروبه دفاعًا عن أرضه وسيادته، ولم تكن حروب توسع أو انتقام. وهذه حقيقة تاريخية لا يجوز القفز عليها أو توظيفها لتبرير إدخاله في نزاعات لا تتصل بالدفاع عن حدوده أو حماية شعبه.

إن الدعوات التي تُسوَّق اليوم لاستدراج أبناء الجنوب إلى جبهات خارج أرضهم تمثل، في جوهرها، مطالبةً لهم بتحمل أعباء صراع تتداخل فيه حسابات أطراف متعددة. ومن حق أي مواطن أن يرفض المشاركة في حرب لا يقتنع بمبرراتها، وأن يعلن موقفه السياسي والأخلاقي منها دون أن يُخوَّن أو يُزايد عليه.

إن الدم الجنوبي ليس رصيدًا عسكريًا يُستهلك متى شاء الآخرون، وليس موردًا بشريًا لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة. وكل من يدفع باتجاه الزج بأبناء الجنوب في معارك لا تتعلق بالدفاع المباشر عن أرضهم يتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية أمام الشعب، كما يتحمل مسؤوليته أمام التاريخ عن كل روح تُزهق نتيجة تلك الخيارات.

إن حماية الجنوب والدفاع عنه واجب لا يختلف عليه اثنان، أما تحويله إلى منصة لحروب الآخرين فليس واجبًا، ولا التزامًا وطنيًا، ولا يمكن فرضه على الناس باسم الشعارات أو العواطف أو أي مبرر آخر.

ولهذا، فإنني أسجل هذا الموقف براءةً للذمة، وأؤكد أن أي قرار يؤدي إلى إراقة الدم الجنوبي خارج مقتضيات الدفاع المشروع عن أرض الجنوب هو قرار يتحمل مسؤوليته الكاملة من اتخذه ومن دعا إليه ومن أصر عليه.

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

الجمعة الموافق 17 يوليو 2026