آخر تحديث :الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - 07:48 م

كتابات واقلام


الكلمة بين الحرية والمسؤولية... معركة الوعي في زمن النشر الإلكتروني

الثلاثاء - 28 يوليو 2026 - الساعة 07:07 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


لم يعد الخطر الذي يهدد المجتمعات اليوم مقتصرًا على السلاح أو الأزمات الاقتصادية والسياسية، بل أصبح للمعلومة المضللة والشائعة أثر قد يفوق في بعض الأحيان آثار الصراعات المباشرة. ففي عصر الإعلام الرقمي، باتت الكلمة قادرة على إشعال فتنة، وهدم الثقة، وإرباك الرأي العام خلال دقائق، الأمر الذي يجعل من الانفلات في النشر الإلكتروني قضية وطنية ومجتمعية تستحق أن تكون في صدارة أولويات المؤسسات الإعلامية والمدنية.
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في الاتصال، ومنحت الجميع حق الوصول إلى المنصة الإعلامية دون قيود. وهذه ميزة كبيرة في ترسيخ حرية التعبير، لكنها في المقابل أفرزت واقعًا جديدًا أصبح فيه كل مستخدم مشروع "ناشر"، بغض النظر عن امتلاكه الحد الأدنى من المعرفة المهنية أو المسؤولية الأخلاقية. ومن هنا بدأت تتسع دائرة الأخبار الكاذبة، وحملات التشهير، وخطابات الكراهية، والتحريض، حتى أصبح التحقق من المعلومة استثناءً لدى البعض، بينما غدا السبق والانتشار غاية تبرر أي وسيلة.
إن أخطر ما في الانفلات الإعلامي ليس فقط نشر معلومة غير صحيحة، بل النتائج التي تترتب عليها. فالشائعة قادرة على تقويض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإثارة الانقسامات الاجتماعية، وتأجيج النزاعات السياسية والمناطقية، وإرباك الاقتصاد، ونشر الخوف بين الناس. وكل ذلك يحدث أحيانًا بسبب منشور مجهول المصدر أو مقطع فيديو مفبرك أو حساب وهمي يدير حملة تضليل ممنهجة.
ومن المؤسف أن بعض المنصات تحولت من ساحات للحوار إلى ميادين لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية، حيث يختلط الرأي بالاتهام، والنقد بالإساءة، والحرية بالفوضى. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الإعلام المهني أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنه يمثل خط الدفاع الأول عن الحقيقة، ويؤدي دورًا محوريًا في حماية الوعي العام من التضليل.
إن حرية التعبير لا تتناقض مع المسؤولية، بل تكتمل بها. فلا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي يحترم الحقوق والحريات في بيئة إعلامية يغيب عنها الصدق والدقة والإنصاف. كما أن مواجهة الانفلات في النشر الإلكتروني لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقييد الحريات، وإنما إلى فرصة لترسيخ ثقافة إعلامية تقوم على المهنية واحترام القانون وأخلاقيات العمل الصحفي.
ولعل ما يبعث على التفاؤل هو تنامي الاهتمام بهذه القضية من قبل المؤسسات الإعلامية والنقابية ومراكز الدراسات، من خلال تنظيم الندوات والحلقات النقاشية التي تناقش المخاطر وتقترح الحلول. فهذه المبادرات تؤكد أن معركة اليوم ليست مع التكنولوجيا، وإنما مع سوء استخدامها، وأن الرهان الحقيقي هو على بناء وعي مجتمعي قادر على التمييز بين الحقيقة والتضليل.
إن حماية المجتمع من الفوضى الإعلامية مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من الصحفي الذي يتحرى الدقة، وتمر بالمؤسسة الإعلامية التي تلتزم بالمعايير المهنية، ولا تنتهي عند المواطن الذي يجب أن يدرك أن إعادة نشر معلومة غير موثقة قد تجعله شريكًا في صناعة الشائعة وإلحاق الضرر بالآخرين.
في نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح الإعلام بعدد المشاهدات أو سرعة الانتشار، وإنما بقدرته على خدمة الحقيقة، وتعزيز الاستقرار، وصناعة الوعي. فالكلمة الصادقة تبني وطنًا، أما الكلمة المنفلتة فقد تهدم ما عجزت عن هدمه الأزمات والصراعات. ومن هنا، فإن معركة المرحلة ليست معركة إعلام فحسب، بل معركة وعي ومسؤولية، لأن مستقبل المجتمعات يبدأ دائمًا من الكلمة.