آخر تحديث :السبت - 08 أغسطس 2026 - 08:19 م

كتابات واقلام


الجنوب بين تعدد المسارات ووحدة الهدف

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 07:45 م

عبدالرؤوف الحنشي
بقلم: عبدالرؤوف الحنشي - ارشيف الكاتب


ما نشهده اليوم من تعدد في المواقف والمسارات، لا ينبغي أن يدفعنا إلى تحويله خصومة داخلية. فالسياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الاجتهادات، وتباين الرؤى، واختلاف الأدوات والوسائل للوصول إلى الأهداف، لكن الخطر يبدأ حين يتحول هذا التباين إلى تخوين وتبادل للاتهامات.
من حقك أن تعارض، ومن حقك أن تنتقد، ومن حقك أن ترى أن هذا المسار أصوب من ذاك، لكن ليس من حقك أن تجعل اختلافك مبررًا لتجريد أخيك من وطنيته أو التشكيك في انتمائه. فالاختلاف السياسي لا يصنع أعداء، إلا حين نفتقد القدرة على إدارته.
لقد أثبتت التجارب أن محاولات تفكيك أي قضية تبدأ غالبًا من الداخل، مرة باستهداف قياداتها، ومرة بتشويه مشاريعها، ومرة بإقناع أبنائها بأن خلافاتهم أهم من قضيتهم. ولهذا ينبغي أن نكون أكثر حذرًا من الوقوع في معركة تستنزف فيها طاقتنا بعيدًا عن الهدف الأساسي.
فلنكن صريحين مع أنفسنا، ما أوصل قضيتنا إلى هذا الحضور لم يكن صوت واحد، ولا بطولة واحدة، بل تضحيات أجيال، وتراكم نضالات، وتلاحم شعب ظل حاضرًا رغم كل محاولات تفكيكه. لقد فقدنا رجالًا، وجاء بعدهم رجال، ورحل قادة، وتقدم آخرون، واستشهد جنود، وحمل الراية من بعدهم آخرون. فالقيادات والادوار قد تتعدد، لكن البوصلة ينبغي أن تبقى واحدة، استعادة دولة الجنوب، الذي ينشده شعب الجنوب.
لسنا مطالبين بأن نتفق على كل شيء، بل أن نعرف كيف نختلف دون أن نهدم ما يجمعنا، فكل جنوبي يتقدم لخدمة والوطن، يستحق منا أن نسنده، نسانده فيما نراه صوابًا، ومن يخطئ ننتقده دون تجريده من وطنيته أو تخوينه، ومن يختلف معنا، نحاوره لا نحوله إلى عدو.
لذلك، لا تجعلوا الاختلاف سببًا لاختلاف الهدف، ولا تجعلوا تعدد المسارات مدخلًا لتفكيك الصف. فنحن بحاجة إلى عقل سياسي يعرف متى يختلف، ومتى يتفق، ومتى يتجاوز الخلاف من أجل مصلحة أكبر.
وأما الجوار، فنريد علاقة تقوم على الاحترام والمصالح المتبادلة، وحسن الجوار، إن أرادوها على هذا الأساس، دون أن يكون ذلك على حساب حقوقنا أو إرادة شعبنا. فلسنا معنيين بصناعة الخصومات مع أحد، لكننا في المقابل لا نقبل أن يفرض علينا أحد واقع لا نريده، أو يتجاوز حقوقنا، أو ينتقص من إرادتنا، كما أن حسن الجوار لا يعني التفريط بالحقوق، ولا يعني التنازل عن خياراتنا.
في النهاية، قد لا أكون صاحب قرار، ولا أمتلك أدوات صناعة المشهد، لكنني أملك قناعة واحدة، أن الانقسام الداخلي أخطر على أي قضية من خصومها الخارجيين. فلنختلف، نعم، لكن لا نتخاصم، ولننتقد، نعم، لكن لا نخون، ولنتعدد في الرؤى، نعم، لكن لا نتعدد في انتمائنا. فالجنوب لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الأصوات المتصارعة، بل إلى عقول تجمع، وقلوب تتسع، ونخب تدرك أن التاريخ لا يمنح الفرص مرتين.