آخر تحديث :الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - 10:05 م

كتابات واقلام


الحرب بالوكالة.. من ينقذ من؟

الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 - الساعة 09:15 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في الحروب الطويلة، لا تكون الخسارة دائماً في الميدان وحده، بل في تحوّل الإنسان إلى مجرد أداة رخيصة في صراع تتجاوز أهدافه حدود حياته ومستقبله.
ومن هنا يبرز سؤال يستحق أن يُطرح بهدوء، بعيداً عن لغة التحريض والمزايدات: إذا كانت الدماء التي تُراق في اليمن يمنية، فلماذا يُدفع اليمنيون إلى خوض حرب لا تبدو أطرافها جميعاً يمنية؟ ومن يحمي اليمنيين من استمرار هذا النزيف؟
لا أحد يستطيع أن ينكر حق أي دولة في حماية أمنها القومي والدفاع عن مصالحها، وهذا حق مشروع للدول، كما أن من الطبيعي أن تبحث المملكة العربية السعودية عن التحالفات والضمانات والاتفاقيات التي تعزز أمنها، وأن تستعين بالوساطات السياسية والدبلوماسية عندما ترى أن الحوار قد يكون طريقاً لتخفيف المخاطر.
لكن المفارقة تبدأ عندما يُبحث عن التهدئة خارج الحدود، بينما يستمر داخل اليمن توظيف القوى المحلية الرخيصة في صراع عسكري بين يمنيين.
ففي الوقت الذي تعمل فيه المملكة على تأمين نفسها عبر التحالفات والاتفاقيات والشراكات الأمنية والسياسية، وتستقبل الوساطات وتبحث عن مخارج سياسية للأزمة، يظل اليمنيون في الداخل بسببها يدفعون الثمن الأكبر لحرب استنزفت الدولة والمجتمع والاقتصاد، وخلّفت آلاف الضحايا وملايين المتضررين.
وهنا لا يتعلق السؤال بمن انتصر ومن انهزم، ولا بمن يملك السلاح الأكثر تطوراً، وإنما بالسؤال الأهم: ماذا بقي لليمني العادي بعد كل هذه السنوات من الحرب؟
هل بقي له وطن آمن؟
هل بقيت له دولة مستقرة؟
هل بقيت مؤسسات قادرة على حمايته؟
وهل أصبح اليمنيون، بعد سنوات الحرب، أقرب إلى السلام أم أبعد عنه؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب بالوكالة هو أنها تجعل أصحاب المصلحة الحقيقيين في الحياة أقل حضوراً في صناعة القرار، بينما يصبح الذين يدفعون الثمن هم الأكثر بعداً عن غرف التفاوض.
واليمن نموذج مؤلم لهذه المعادلة.
فالسياسي قد يغادر، والقائد قد ينتقل من عاصمة إلى أخرى، والممول ألخبيث يستطيع حماية نفسه، وصاحب القرار يستطيع تغيير موقفه عندما تتغير الظروف، لكن المواطن اليمني لا يملك رفاهية مغادرة وطنه كلما اشتعلت جبهة جديدة.
لهذا فإن الحديث عن التهدئة يجب ألا يقتصر على تهدئة الأطراف التي تملك القدرة على اتخاذ القرار، بل ينبغي أن يكون هدفه الأول حماية اليمنيين من استمرار الحرب، أياً كان الطرف الذي يقف خلفها أو يستفيد منها.
ولعل وصول الوفد العُماني إلى صنعاء، في إطار الجهود الرامية إلى دفع مسار التهدئة، يذكّر الجميع بأن الحل السياسي يظل ممكناً متى توفرت الإرادة السياسية. فالحروب، مهما طال أمدها، لا تستطيع أن تمنح الشعوب ما يمنحه السلام، ولا تستطيع البنادق أن تبني دولة مستقرة.
ومن حق المملكة أن تحمي أمنها، لكن من حق اليمنيين أيضاً أن يسألوا: من يحمي أمن اليمن؟
ومن حق المملكة أن تبحث عن حلفاء واتفاقيات وضمانات لحماية حدودها ومصالحها، لكن من حق اليمنيين أن يطالبوا بأن تكون هناك ضمانات مماثلة لحماية الإنسان اليمني من الموت والنزوح والفقر والانهيار.
ليس المطلوب هنا تحميل السعودية وحدها مسؤولية كل ما جرى في اليمن؛ فالأزمة اليمنية أعقد من ذلك، ولها أطراف داخلية وإقليمية متعددة، كما أن اليمنيين الرخاص أنفسهم يتحملون جزءاً من مسؤولية ما وصل إليه بلدهم.
لكن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي أن يتوقف الجميع أمام السؤال المركزي:
إذا كان المملكة قادرة بأموالها على دفع اليمنيين إلى الحرب، أفلا تستطيع أن يدفعهم بالقدر نفسه نحو السلام؟
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الوكلاء، ولا إلى مزيد من ساحات الصراع، ولا إلى جيل جديد يتعلم أن الحل يبدأ بالبندقية وينتهي بالمقبرة.
اليمن يحتاج إلى أن يستعيد قراره بعيدا عن الوصاية، وأن يجلس أبناؤه إلى طاولة واحدة، وأن تتحول الأدوار الإقليمية من إدارة الصراع إلى دعم التسوية.
فبدلاً من أن يسأل كل طرف: من سيحمي مصالحي؟، ربما آن الأوان لأن يُطرح السؤال بصورة مختلفة:
من سيحمي اليمنيين من أن يصبحوا وقوداً لحروب الآخرين؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي معركة جديدة.