آخر تحديث :الخميس - 20 أغسطس 2026 - 09:37 م

كتابات واقلام


من خنادق القضية .. إلى أحضان قتلة أبناؤنا !

الخميس - 20 أغسطس 2026 - الساعة 08:53 م

العميد وهيب بن سلم
بقلم: العميد وهيب بن سلم - ارشيف الكاتب


ليست الخصومة السياسية عيبا فالاختلاف سنة من سنن الحياة ، وتباين الرؤى أمر طبيعي في أي مجتمع يسعى إلى بناء مستقبله. لكن العيب كل العيب أن تتحول الخصومة إلى فجورا ، وأن يصبح الخلاف مبررا لطمس الحقائق والتخلي عن المبادئ والتصالح مع من ارتكب الجرائم بحق أبناء جنوبنا ..

المؤلم ليس أن يختلف الجنوبيون فيما بينهم بل أن نرى بعض من كانوا بالأمس يتحدثون باسم القضية ، ويذرفون الدموع على الشهداء ، يقفزون اليوم من سفينتنا إلى أحضان من قتل أبناءنا بدم بارد ، وكأن الدماء قد جفت من الذاكرة أو أن التاريخ يمكن شطبه بصفقة أو بمنصب أو بمصلحة عابرة ..

هذا التحول لا يمكن وصفه بالبراغماتية السياسية ، ولا هو بحث عن ملاذ آمن كما يحاول البعض تصويره ، بل هو انكشاف حقيقي للمواقف ، فالمبادئ التي تباع عند أول اختبار لم تكن مبادئ راسخة والقيم التي تتغير بتغير المصالح لم تكن يوما قناعات حقيقية وإنما شعارات مؤقتة ارتداها أصحابها حتى تحين لحظة المقايضة ..

إن الأوطان لا تبنى بالانتهازية ولا تحفظها الذاكرة الانتقائية .. فالشهيد الذي ارتقى دفاعا عن الأرض والكرامة لا يملك اليوم أن يدافع عن نفسه أمام من يصافح قاتله لكن التاريخ يفعل وضمير الشعوب يُفعل والحقائق لا تموت مهما حاول البعض دفنها تحت ركام المصالح الضيقة ..

قد يختلف الجنوبيون سياسيا ، وقد تتباين مشاريعهم ورؤاهم، لكن هناك خطوطا لا ينبغي تجاوزها أولها الوفاء لدماء الشهداء وثانيها ألا يتحول الخصم بالأمس إلى حليف اليوم دون مراجعة أو اعتذار أو عدالة فمن يفرط في دماء أبناء جنوبنا من أجل مكسب سياسي ، سيفرط في وطنه عندما تتغير الموازين ..

ويبقى السؤال الذي سيلاحق كل من اختار هذا الطريق ، ماذا ستقولون لأمهات الشهداء؟ وكيف ستبررون مصافحة من كانت أيديهم ملطخة بدماء أبنائهن؟!
فالتاريخ لا يرحم والذاكرة الوطنية لا تسقط بالتقادم ومن يبيع مبادئه مرة لن يجد من يصدق شعاراته مرة أخرى ..

فالسياسة قد تحتمل الاختلاف لكنها لا تحتمل خيانة المبادئ والمواقف العظيمة تقاس بثبات أصحابها وقت العواصف ، لا بسرعة تبدلهم عندما تلوح المصالح ويلهثون خلفها ..