عاد الحوثيون، في لحظة عسكرية وسياسية شديدة الحساسية، إلى رفع شعار وقف الحرب والدخول في حوار سياسي. وجاء ذلك بعد تصاعد العمليات العسكرية ضدهم، في وقت تشهد فيه الساحة اليمنية تطورات ميدانية وسياسية متسارعة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كان الحوثيون قد تحدثوا عن السلام؛ فقد تحدثوا عنه من قبل. السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام مراجعة حقيقية لمسار الحرب، أم أمام محاولة لوقف الضغط العسكري وكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق؟
وهنا تحديداً تظهر مشكلة الثقة.
فالحوتيون يتحملون مسؤولية أساسية عن جانب محوري من الأزمة، خصوصاً منذ سيطرتهم على صنعاء ومؤسسات الدولة بالقوة عام 2014، وما ترتب على ذلك من انهيار العملية السياسية وتحول الصراع إلى حرب واسعة.
ومن هنا فإن ظهور الحوثيين اليوم في موقع من يطلب وقف الحرب يطرح سؤالاً مشروعاً: هل أصبحوا يبحثون عن السلام فعلاً، أم يبحثون عن مخرج من الضغط الذي يواجهونه؟
لا ثقة بالتصريحات وحدها فالتجربة الطويلة تجعل الحذر مشروعاً. فالدعوة إلى الهدنة ليست في حد ذاتها أمراً سلبياً، بل قد تكون خطوة ضرورية لوقف نزيف الدم وفتح الطريق أمام تسوية سياسية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهدنة إلى مجرد استراحة عسكرية تسمح بإعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لجولة جديدة.
إذا كان الحوثيون يريدون السلام، فعليهم أن يثبتوا ذلك على الأرض: بوقف التصعيد، واحترام الاتفاقات، والقبول بحوار سياسي حقيقي، والتخلي عن استخدام القوة لفرض النتائج السياسية.
الجنوب لا ينظر إلى المسألة من زاوية صنعاء .وهنا تبرز خصوصية الموقف الجنوبي.فالجنوبيون خاضوا مواجهة مباشرة مع الحوثيين، ودفعت مناطق الجنوب ثمناً كبيراً خلال الحرب، ولا تزال مسألة منع تمدد الحوثيين إلى الجنوب جزءاً أساسياً من حسابات الأمن والسياسة الجنوبية.لكن موقف الجنوب لا ينبغي أن يُختزل في مجرد تأييد الحرب أو رفض الهدنة.فالجنوبيون أمام قضيتين متلازمتين:
أولاً: رفض المشروع الحوثي المسلح ومنع فرضه بالقوة على الجنوب.
وثانياً: عدم السماح بأن تتحول مواجهة الحوثيين إلى ذريعة لتهميش القضية الجنوبية أو إعادة إنتاج صيغة سياسية يرفضها قطاع واسع من الجنوبيين.
ولهذا فإن أي تسوية سياسية مقبلة لا بد أن تأخذ القضية الجنوبية بجدية، وألا تتعامل معها باعتبارها ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الصراع. الجنوب يريد السلام، لكنه لا يريد سلاماً يعيد إنتاج الأزمة
الجنوبيون، مثل بقية اليمنيين، ليسوا بحاجة إلى حرب مفتوحة بلا نهاية.لكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون اعتبار وقف إطلاق النار هدفاً نهائياً.فالهدنة التي توقف المعارك ولا تعالج جذور الأزمة السياسية قد تكون مجرد تجميد للصراع.
ومن هنا، فإن أي سلام مستقبلي يجب أن يضمن أن لا تكون مواجهة الحوثيين مدخلاً لإعادة إنتاج الوضع السياسي الذي سبق الحرب، ولا أن تتحول المفاوضات إلى صفقة بين القوى المتصارعة في الشمال بينما يُطلب من الجنوب لاحقاً قبول نتائجها.
وفي خضم هذه التطورات، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى الجنوبيين هي أن قوة الموقف الجنوبي تبدأ من قوة الجبهة الجنوبية نفسها.
فمهما كانت التطورات العسكرية والسياسية في الشمال، فإن الجنوب لن يكون قادراً على الدفاع عن مصالحه أو فرض قضيته على طاولة المفاوضات إذا ظل صوته منقسماً، وقواه السياسية متباعدة، وأولوياته غير متفق عليها.
لقد أثبتت التجربة أن الانقسامات الجنوبية تمنح الآخرين مساحة للتدخل وإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالحهم. ولذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز الخلافات الثانوية، وتوحيد الصف حول الثوابت الجنوبية، وبناء موقف سياسي جنوبي أكثر تماسكاً، مع الحفاظ على التنوع في الآراء والمكونات.
إن تقوية الجبهة الجنوبية لا تعني إلغاء الاختلاف أو فرض رأي واحد على الجنوبيين، وإنما تعني الاتفاق على الحد الأدنى من الثوابت التي تحمي القضية الجنوبية وتمنع تحويلها إلى ورقة في صراعات الآخرين. فالجنوب الذي يريد أن يكون شريكاً حقيقياً في تحديد مستقبله، عليه أن يمتلك رؤية سياسية واضحة، ومؤسسات قادرة على التفاوض، وقيادة مسؤولة، وقدرة على إدارة الاختلاف، واستعداداً لمعركة سياسية ودبلوماسية قد تكون في أهميتها المعركة العسكرية.
وفي هذه اللحظة بالذات، ينبغي أن يدرك الجنوبيون أن مواجهة الحوثيين لا تعفيهم من مسؤولية ترتيب بيتهم الداخلي؛ بل تجعل هذه المسؤولية أكثر إلحاحاً. فكلما كانت الجبهة الجنوبية موحدة وقوية، أصبح من الصعب على أي طرف أن يتجاوز إرادة الجنوبيين أو يتحدث باسمهم أو يقرر مستقبلهم من دونهم.
الحوثي أمام الاختبار
لقد أعلن الحوثيون استعدادهم لوقف الحرب والدخول في حوار سياسي.ليكن ذلك اختباراً حقيقياً.
فليثبتوا أن الدعوة ليست مجرد استجابة للضغط.وليثبتوا أن الهدنة ليست وسيلة لكسب الوقت. وليثبتوا أن خطاب السلام هذه المرة مختلف عن المرات السابقة.
إن مطلب الحوثيين بوقف الحرب المطلوب هو اختبار النوايا بالأفعال. فإذا توقف القتال، واحترمت الالتزامات، وبدأ حوار سياسي جاد، وتوفرت ضمانات تمنع العودة إلى الحرب، فإن الطريق أمام السلام يصبح أكثر وضوحاً.
أما إذا تحولت الهدنة مرة أخرى إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق والاستعداد لجولة جديدة، فإن التجربة ستكون قد أثبتت أن المشكلة لم تكن في غياب فرص السلام، وإنما في غياب الالتزام الحقيقي به.
وبالنسبة للجنوب، فإن المعركة لا تنتهي بمجرد توقف الحرب مع الحوثيين. فهناك معركة سياسية ودبلوماسية تتطلب جبهة جنوبية قوية ومتماسكة، ومشروعاً واضحاً، وقدرة على التفاوض والدفاع عن المصالح الجنوبية.
فالجنوب يريد السلام، لكنه لا يريد سلاماً يعيد إنتاج الأزمة. ويرفض مشروع الحوثيين، لكنه لا يريد أن تتحول مواجهتهم إلى غطاء لتأجيل قضيته.
ولهذا فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة واضحة:
إنهاء الحرب، اختبار جدية الحوثيين، حماية الجنوب، وتقوية الجبهة الجنوبية، ووضع القضية الجنوبية في قلب أي تسوية سياسي
في هذه اللحظة المفصلية، لا ينبغي للجنوبيين أن يسمحوا للخلافات الثانوية بأن تتحول إلى جدار يفصل بينهم، ولا أن تتحول التباينات السياسية إلى صراع يستنزف طاقتهم ويضعف قدرتهم على حماية قضيتهم.
فالمرحلة المقبلة لن تكون اختباراً للحوثيين وحدهم، وإنما ستكون أيضاً اختباراً لقدرة الجنوبيين على توحيد صفوفهم وترتيب بيتهم الداخلي.
إن قوة الجنوب لا تقاس فقط بما يملكه من قوة عسكرية، وإنما بقدرته على إنتاج موقف سياسي موحد، ورؤية واضحة، ومؤسسات قادرة على تمثيل مصالحه والدفاع عنها. وكلما اتسعت مساحة الانقسام الجنوبي، اتسعت معها مساحة التدخل في شؤونه، وأصبح من السهل على الآخرين أن يتحدثوا باسمه أو أن يقرروا مستقبله نيابة عنه.
لذلك، فإن الأولوية اليوم ليست تعميق الخلافات، ولا تبادل الاتهامات، ولا البحث عن منتصر جنوبي على حساب جنوبي آخر؛ وإنما بناء أوسع اصطفاف جنوبي ممكن حول الثوابت
وإذا كان الحوثيون يراهنون على الهدن والمناورات لكسب الوقت، فلا ينبغي للجنوبيين أن يمنحوهم، أو يمنحوا غيرهم، فرصة استثمار انقساماتهم.
إن الجنوب أمام مرحلة تحتاج إلى وحدة الصف، وتماسك الجبهة الداخلية، ووضوح المشروع السياسي، وتوحيد الخطاب، وإدارة الخلاف بالحكمة والمسؤولية.
فالجنوب لن يكون قوياً لأنه يملك قضية عادلة فقط، وإنما عندما يستطيع أن يحمي هذه القضية بجبهة داخلية متماسكة، وبصوت سياسي واضح، وبإرادة جنوبية تعرف ما تريد وكيف تصل إليه.
وفي النهاية، قد تختلف القوى الجنوبية في الوسائل، وقد تتباين في الرؤى، لكن عليها أن تدرك أن ما يجمعها أكبر مما يفرقها، وأن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يكون رهينة للخلافات بين أبنائه.
وحدة الصف الجنوبي ضرورة لحماية القضية، وصون القرار الجنوبي، والاستعداد للمرحلة القادمة. فالجنوب القوي هو الجنوب المتماسك، والجنوب المتماسك هو القادر على أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد طرف ينتظر ما يقرره الآخرون.