آخر تحديث :الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - 05:31 م

كتابات واقلام


عدن وصنعاء.. حين يعجز السلاح تبدأ السياسة

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 04:41 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


بعد أكثر من ثلاثة عقود على إعلان الوحدة اليمنية، وأكثر من عقد على الحرب الأخيرة، أصبح من الصعب تجاهل حقيقة أن اليمن الذي عرفناه عام 1990 لم يعد هو اليمن الذي نراه اليوم.

ففي عام 1994، أعلن أبناء الجنوب فك الارتباط واستعادة دولتهم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، لكن ذلك الإعلان لم يتحول إلى طاولة تفاوض، بل اندلعت الحرب وانتهت بسيطرة قوات الشمال على الجنوب وفرض الوحدة بالقوة.

ومنذ ذلك الحين، ظل أبناء الجنوب يطالبون، بدرجات مختلفة وبوسائل سلمية، باستعادة دولتهم وحقهم في تقرير مستقبلهم. ومع ذلك، بقيت قضيتهم لسنوات طويلة تبحث عن الاعتراف السياسي والحل العادل.

ثم جاءت حرب 2015 لتكشف حجم التحول في موازين القوة. فقد تمكنت القوات الجنوبية، بدعم من التحالف العربي، من استعادة معظم مناطق الجنوب من قوات الحوثيين والقوات الموالية لعلي عبدالله صالح خلال فترة قصيرة، بينما بقيت معظم مناطق الشمال تحت سيطرة الحوثيين حتى اليوم.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق أن تُطرح بصراحة:

لماذا يُطلب من أبناء الجنوب قبول واقع الوحدة، بينما يُفتح باب التفاوض مع الحوثيين بعد أن فرضوا واقعًا عسكريًا جديدًا في الشمال؟

إذا كان الحوار هو الطريق للتعامل مع الأمر الواقع الذي فرضه الحوثيون، فلماذا لا يكون الحوار أيضًا هو الطريق للتعامل مع المطالب الجنوبية؟

أنا لا أطرح هذا السؤال للدعوة إلى حرب جديدة، ولا لفرض خيار سياسي بالقوة، بل على العكس تمامًا: لأنني أرى أن الحوار يجب أن يكون القاعدة التي يُتعامل بها مع الجميع، لا استثناءً يُمنح لمن يملك القوة.

فإذا كان الحوثيون يريدون التفاوض على مستقبل اليمن، فمن حق أبناء الجنوب أن تُسمع قضيتهم على طاولة التفاوض أيضًا. وإذا كان مستقبل اليمن سيُبحث سياسيًا، فلا يمكن تجاوز القضية الجنوبية أو التعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

اليوم، أصبح الواقع أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: الشمال والجنوب يملكان مشروعين سياسيين مختلفين، وموازين قوة مختلفة، ومسارين متباعدين، وواقعًا على الأرض يصعب تجاهله.

ومن هنا، فإنني أرى أن الاستمرار في محاولة إعادة إنتاج صيغة عام 1990 بالقوة لن يقود إلى استقرار، كما أن تجاهل مطالب الجنوب لن يؤدي إلى اختفائها.

قد يكون خيار الدولتين هو الحل الذي يراه أبناء الجنوب، وقد يرى آخرون صيغًا سياسية مختلفة؛ لكن الحسم في هذه المسألة يجب أن يكون عبر التفاوض والاتفاق والضمانات، لا عبر الحرب.

وأي اتفاق جاد بين الشمال والجنوب يجب ألا يترك القضايا الأساسية معلقة: الحدود، والثروات، والموارد، والديون، والملكية، وحرية التنقل، والمواطنة، والحقوق السياسية والمدنية، والعلاقات المستقبلية بين الطرفين.

كما أن السلام لن يكون ممكنًا من دون تفاهمات إقليمية ودولية تضمن أمن دول الجوار، وتحول دون استخدام الأراضي اليمنية لتهديدها.

لقد أثبتت السنوات الماضية شيئًا واحدًا على الأقل: السلاح يستطيع أن يفرض واقعًا، لكنه لا يستطيع أن يصنع سلامًا دائمًا.

والسؤال الحقيقي اليوم ليس: من انتصر في الحرب؟

السؤال هو: كيف ننهي الحرب ونمنح أبناء الشمال والجنوب حقهم في تحديد مستقبلهم؟

إن تجاهل الواقع لن يغيّره، واستمرار الحرب لن يعيد الماضي.

فإذا كان السلاح قد فرض واقعًا جديدًا في الشمال، فإن السياسة مطالبة بأن تعالج هذا الواقع بالحوار. وإذا كان الجنوب يطالب باستعادة دولته، فإن السياسة مطالبة بأن تسمع صوته بالحوار نفسه.

فالعدل السياسي يبدأ من قاعدة واحدة: لا يكون الحوار مكافأة لمن يملك السلاح، ولا يكون حقًا يُحرم منه من يملك القضية.

ما عجزت الحرب عن حسمه طوال سنوات، آن للسياسة أن تحسمه على طاولة التفاوض يعترف بالواقع، ويحترم إرادة أبناء الشمال والجنوب، ويكتب مستقبل اليمن بعيدًا عن فوهات البنادق، وصولًا إلى اتفاق يضمن حق اليمنيين في تقرير مستقبلهم، ويفضي إلى عودة الدولتين بسلام، ويضع حدًا لصراع وحروبٍ طال أمدها.

حان وقت أن تتحدث عدن وصنعاء... قبل أن تتحدث البنادق من جديد.

الصحفي/ صالح حقروص
28 سبتمبر 2026م