آخر تحديث :الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - 09:53 م

كتابات واقلام


حسوك أسفل العقبة

الثلاثاء - 06 أكتوبر 2026 - الساعة 08:49 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


كان لأحد البخلاء سبعة حمير، وكانت تلك الحمير مصدر رزقه الوحيد، لكنه كان بخيلًا عليها إلى درجة لا تُحتمل.
كان يطعمها قليلًا من «الحسوك» ـ وهو الشعير ـ وما تيسر من البرسيم، ويُكثر لها من الماء والملح، ثم لا يبخل عليها بشيء آخر: العمل الشاق.
يحملها فوق طاقتها، ويشد عليها الأحمال الثقيلة، ويطلب منها أن تصعد العقبات وتنزل المنحدرات وكأنها مخلوقات لا تتعب ولا تجوع ولا تمرض.
وذات يوم، جاءت إليه صفقة حمول شاقة، فيها طلوع ونزول وعقبات طويلة. فتهيأ هو وحميره السبعة، وشد وثاق الأحمال، وسمّى بالرحمن، وانطلق.
لكن ما إن بلغت الحمير أسفل العقبة حتى بدأ التعب يظهر عليها، وتثاقلت خطواتها، وتوقفت واحدة، ثم لحقتها الثانية والثالثة، حتى كادت الحمير السبع تعلن العصيان على صاحبها.
التفت الرجل يمنة ويسرة، يبحث عمن يساعده، وهو يرى حمير الآخرين تصعد العقبة بخفة ونشاط، بينما حميره لا تكاد تقوى على حمل نفسها.
فقال له أحدهم:
ـ أطعمها حسوك العقبة.
أخرج الرجل خراجه، وألقى أمام حميره من الحسوك ما يكفي لإعادة الروح إليها. وما إن رأت الحمير الطعام حتى نهضت بكل لهفة، وأكلت حتى شبعت.
لكن المفاجأة أن الحمير، بعد أن شبعت، لم تعد قادرة على الحركة!
نظر البخيل إلى الرجل الذي أشار عليه بالنصيحة، وقد امتلأ وجهه غضبًا، وقال:
ـ ماذا فعلت بي؟!
فقال له الرجل بكل هدوء:
ـ يا صاحبي، هذا حسوك أسفل العقبة، أما أنا فقد جئت بحميري السبعة من الحظائر وهي شبعانة.
فسكت البخيل، ولم يجد ما يقوله.
وهنا تنتهي الحكاية... لكن معناها لا ينتهي.
فكم من مشروع بدأ بـ«حسوك أسفل العقبة»، وكم من مسؤول يريد نتائج كبيرة من أدوات صغيرة، وكم من مؤسسة يُطلب منها أن تعمل وتنتج وتصمد، بينما تُترك سنوات طويلة بلا إمكانات حقيقية، ثم يُطلب منها فجأة أن تتسلق أصعب العقبات!
لا يمكن أن تطلب من الجائع أن يركض كالشبعان، ولا من المنهك أن يؤدي كمن أُعدّ للمهمة منذ البداية.
النجاح لا يبدأ عند أسفل العقبة، ولا تُصنع القدرة في اللحظة التي نحتاج فيها إليها. النجاح يبدأ من الحظيرة: من الإعداد، والرعاية، وتوفير الإمكانات، وحسن الإدارة.
أما أن نترك الحمير تجوع طوال العام، ثم نضع أمامها قليلًا من الحسوك عند أول عقبة، وننتظر منها أن تتسلق الجبل، فهذه ليست إدارة، بل إدارة بالأمنيات.
والأشد طرافة أن بعض البخلاء لا يتعلمون من التجربة؛ يكررون الخطأ نفسه، ثم يلومون الحمير لأنها لم تصعد العقبة!
المشكلة ليست دائمًا في الحمار... أحيانًا المشكلة في صاحبه.