آخر تحديث :الخميس - 15 أكتوبر 2026 - 10:10 م

كتابات واقلام


العميم

الخميس - 15 أكتوبر 2026 - الساعة 08:59 م

احمد يسلم صالح
بقلم: احمد يسلم صالح - ارشيف الكاتب


كنا صغارًا، وكانت الجدّات يفزعننا بـ "العميم"؛ ذلك الكائن الأسطوري المبهم، الذي لا نعرف إن كان وحشًا كاسرًا، أم جنيًّا أزرق، أم كائنًا خرافيًّا تشرب القوة وغرس المخالب يشرب دم من يقف في طريقه كأنه شبحٌ كاسرٌ يهبط من أطباق الظلام ليرعب زنادقة الأرض ووطاويط الليل المظلم .
​كانت الجدات في عتمة الليل يسبقن ذكر "العميم" بأنينٍ مكتوم كأنه يخرج من بين الصلب والترائب، وهنا يتسلل الذعر إلى القلوب، ويثور الهلع في الأفئدة، ويترك للخيال جموحه ليرسم في العتمة ملامح مختلفة لذلك العميم المخيف.
​كبرنا، وظل "العميم" حكايةً يمتزج فيها وجل المجهول بذهول الطفولة. لكن الحكايات العصية على الفناء لا تشيخ، بل تهجر ذاكرة الصغار لتسكن حسابات المفلسين في السياسة، وتتلبس لبوسً مجاذيب بن علوان ودراويش الفتوى بتعاقب الأزمنة.
​
وفي معترك السياسة، ثمة "عميمٌ" آخر يتجلى اليوم في حضور الرئيس القائد عيدروس الزبيدي؛ حيث يلتقي الأثر الأسطوري للعميم مع اسم "عيدروس" بمدلوله اللغوي الراسخ بكونه من أسماء الأسد والضرغام الجسور. اسمٌ يختزل الهيبة والجسارة، ويزلزل بزمجرته وثباته عرين القوى المتربصة بقضية شعب الجنوب.

​فمنذ ظهوره العلني بخطابه التاريخي المدوّي بمناسبة العيد الـ 63 لثورة 14 أكتوبر المجيدة، تعالى نعيب البوم وصيحات الوطاويط الوجلة من خلف أسوار العتمة، وهي تضج بحملات إعلامية مسعورة وشرسة، ليست إلا محاولة بائسة لمواراة ما أصابهم من الخور، والهلع، ورتعاد الفرائص وزيارة دورات المياه بما أحدثه تأكيده الحازم على تمسك شعب الجنوب بثوابته الوطنية وحقه الناجز في استعادة دولته الفيدرالية المستقلة.

​الصلة بين الرمز والواقع:
تكمن المفارقة والربط الدقيق هنا في كيمياء الخوف والهلع؛ فكما كان خيال "العميم" يزرع الرعب المفزع والتوجس في النفوس، أضحى زئير الرئيس "عيدروس" وحضوره المهيب كابوسًا يخلع أفئدة القوى الإخوانية والمتربصين بالمشروع الجنوبي، ويقض مضاجعهم. فإذا كان العميم يرعب بظله المجهول، فإن "عيدروس" يرهبهم بحقيقته المعلنة كـ "أسدٍ" يحمي الحمى؛ لأن ما يمثله ليس مجرد حضورٍ فردي، بل هو تجسيدٌ لإرادة شعبٍ فولاذية، واستحقاقٌ سياسيٌّ عصيٌّ على الانكسار أو التجاوز.
​وهكذا، يبرهن الواقع أن تلكم الهجمات الإعلامية المسعورة ليست إلا فحيح الخائف المفجوع، وضجيج المذعور الذي يتركه "عميم" القيادة الجنوبية وزئير "عيدروسها" من هولٍ ووجلٍ في قلوب المتربصين؛ فعَمِيم الطفولة كان يسكن العتمة والخيال، أما عَمِيم السياسة فتظهره صرخات الإخوان وزبانيتهم وإعلامهم كلما أطلّ ذلك العيدروس مجسدًا تطلعات شعب الجنوب، وحق الموقف، وصوابية الهدف.
​أحمد يسلم