آخر تحديث :الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - 10:43 م

كتابات واقلام


الإرهاب الحوثي.. عقيدة لإخضاع اليمنيين

الأربعاء - 28 أكتوبر 2026 - الساعة 10:04 م

أ.د. عبدالوهاب العوج
بقلم: أ.د. عبدالوهاب العوج - ارشيف الكاتب


لا يمكن فصل استهداف مليشيا الحوثي الإرهابية للمطارات المدنية عن حصار تعز وقصف الأحياء السكنية واختطاف المواطنين؛ فهذه الممارسات، على اختلاف أدواتها، تعكس نهجاً يقوم على توظيف الإرهاب والعنف والترهيب لفرض السيطرة بالقوة، وإرباك مؤسسات الدولة، وتحويل معاناة المدنيين إلى وسيلة للضغط السياسي والعسكري.

إن استهداف مطار عدن وتكرار الاعتداءات على المطارات المدنية، سواء في اليمن أو المملكة العربية السعودية، يكشفان أن التهديد الحوثي تجاوز جبهات القتال إلى المنشآت الحيوية التي تمس حياة المدنيين وأمن الدول واستقرار المنطقة. فالمطارات ليست أهدافاً عسكرية عادية، بل مرافق مدنية وسيادية يرتبط أمنها بسلامة المسافرين وحركة التجارة والمساعدات الإنسانية.

وفي الداخل اليمني، يمثل استهداف مطار عدن محاولة لإرباك عمل الحكومة الشرعية وضرب أحد أهم منافذ البلاد إلى العالم. كما أن تكرار هذه الاعتداءات يهدد سلامة الطيران المدني، ويرفع تكاليف التشغيل والتأمين، وقد يؤدي إلى تأخير الرحلات وإلغائها، بما يضاعف معاناة اليمنيين، خصوصاً المرضى والطلاب والأسر التي تعتمد على السفر، فضلاً عن تعقيد حركة العاملين في المنظمات الإنسانية ووصول الإمدادات الطبية والإغاثية.

إن خطورة هذه الهجمات لا تكمن في أضرارها المباشرة فحسب، بل في محاولة تحويل التهديد إلى أداة دائمة لابتزاز الدولة والمجتمع، وفرض واقع سياسي وعسكري خارج إرادة اليمنيين.

وفي تعز، تتخذ هذه السياسة شكلاً آخر من خلال الحصار واستهداف المناطق السكنية وتهديد خطوط الإمداد. فتعز تمثل مركز ثقل بشرياً وجغرافياً وسياسياً، وفك الحصار عنها وتأمين طرقها لا يقتصران على تخفيف معاناة السكان، بل يحملان أبعاداً استراتيجية تتصل بموازين القوى وقدرة الدولة على استعادة وظائفها.

عسكرياً، يؤدي فتح الطرق وتأمين خطوط الإمداد إلى تعزيز حركة القوات الحكومية ومناورتها، وتحسين التواصل بين الجبهات، وتقليص قدرة الحوثيين على استغلال الجغرافيا لاستنزاف خصومهم. وسياسياً، فإن إنهاء الحصار بصورة مستدامة يعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويضعف قدرة المليشيا على فرض إرادتها من خلال التحكم في حركة السكان والسلع والاحتياجات الأساسية.

لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أكثر من اختراق ميداني مؤقت؛ إذ لا بد من خطة متكاملة تضمن استدامة فتح الطرق وحمايتها، وتمنع إعادة استخدامها أدواتٍ للحصار والابتزاز، مع حماية المدنيين وتثبيت المكاسب على الأرض.

أما الانتهاكات الموثقة في تعز، فقد كشفت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وفق التقرير المشار إليه، عن 75 جريمة وانتهاكاً خلال 48 ساعة، شملت مقتل تسعة مدنيين وإصابة 24 آخرين، بينهم أطفال، واختطاف 11 مواطناً. وإذا تأكدت هذه الوقائع، فإنها تعكس مستوى خطيراً من العنف الذي يتجاوز المواجهة العسكرية إلى ترهيب المجتمع وتقييد حريته وإخضاعه بالقوة.

فالقتل والقصف والاختطاف واقتحام المنازل والمحال التجارية، متى ثبتت، ليست مجرد حوادث منفصلة، بل ممارسات تقوض أمن المجتمع وتضرب شعور المواطنين بالحماية، وتستخدم الخوف وسيلةً للحد من الاعتراض وفرض الطاعة. ومثل هذه الأساليب لا تصنع شرعية ولا تمنح الجماعة المسلحة حق حكم الناس، بل تعمق الهوة بينها وبين المجتمع وتكشف عجزها عن اكتساب القبول بالوسائل الطبيعية.

وهنا تلتقي الاعتداءات على المطارات مع حصار تعز وانتهاكات حقوق المدنيين في جوهر واحد: استخدام القوة لإخضاع المجتمع وإضعاف الدولة، بدلاً من الاحتكام إلى القانون وإرادة المواطنين. ولذلك، فإن التعامل مع هذه الوقائع بوصفها أحداثاً منفصلة يبدد الصورة الكاملة لطبيعة التهديد الحوثي وأبعاده الأمنية والسياسية والإنسانية.

إن مواجهة هذا النهج تستدعي موقفاً يتجاوز الإدانة اللفظية إلى إجراءات عملية تشمل حماية المنشآت المدنية، وتعزيز قدرات القوات الحكومية، وفك حصار تعز وتأمين طرقها، وتوثيق الانتهاكات والتحقق المستقل منها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

فالمعركة في اليمن ليست مجرد صراع على الأرض، بل مواجهة بين مشروع يسعى إلى فرض السيطرة بالعنف والإرهاب، ودولة يفترض أن تستعيد قدرتها على حماية المواطنين وصون كرامتهم وتأمين مصالحهم. ولن يتحقق الردع الحقيقي إلا بربط الحماية الأمنية بالمساءلة القانونية، واستعادة مؤسسات الدولة، وإنهاء قدرة المليشيا على تحويل حياة اليمنيين ومنشآتهم المدنية إلى أدوات في صراعها.

أ.د.عبدالوهاب العوج
أكاديمي ومحلل سياسي يمني