أتذكر أنني عندما كانت صحيفة(التجمع) في عز مجدها والحريات الصحافية مزدهرة 19991م كتبت في زاويتي الأسبوعية(دردشة) بعد أداء الرجل للعمرة في مكة المكرمة : إن علي سالم البيض دخل الإسلام من الركن الخامس) فضجت مقايل البلد من شرقها إلى غربها !!.
لم يزعج البيض رحمه الله ما قلته إنما توظيف خصومه لما نشرته لتأكيد خطأ قيام الوحدة مع الشيوعيين الملحدين.
ولم أقصد الإساءة الشخصية أو التكفير إنما طابع زاويتي دردشة يحتمل الفكاهة وأي فكاهة, وقد أقسموا على احترام التعددية السياسية والاختلاف.. وعزفنا على تلك النغمة.
لم ينج الرئيس صالح كذلك من بعض دردشاتي حول الدستور ومدة سنوات الرئاسة وهل هي 35 سنة مثل الخدمة المدنية أم أقل, فأظهر غضبه حتى على مقالة صغيرة لم أكتبها أنا إنما ظن مع كثيرين أنها لي ونالت شهرة واسعة إلى اليوم أكثر من كتاباتي الأصلية..
*أنا والجاوي و البيض*
قال لي طيب الذكر والأب الروحي ألزعيم عمر الجاوي رحمه الله :
شرحت لعلي سالم البيض وضعك الشخصي واقترح علي صرف فيللا لك في حي لينين بخورمكسر أو شقة جديدة في أي مشروع بعدن).. فانتفضت لحماقتي في تلك السن(منتصف العشرينات 26 عاماً) .. هل هذه هي الوطنية التي تعلمناها منك يا أستاذ عمر .. مع انفعالات غضب(أضحك منها الآن).. فابتسم لي مع نكتة :خللي سقف بيتك المتهالك الصغير يسقط فوق العائلة) !!.
لا يعرف الكثيرون حتى من السياسيين أن الفقيد عمر عبدالله الجاوي(أبو آزال) مؤسس حزب التجمع الوحدوي اليمني رحمه الله هو الذي أقنع علي سالم االبيض أكثر من غيره بالذهاب إلى الوحدة اليمنية.
ربطتني بالأستاذ الراحل الكبير الجاوي علاقة وطيدة وكان هو رئيس الحزب ورئيس تحرير صحيفة(ألتجمع) وشغلت أنا سكرتير التحرير.
ربطت الرجلين علاقة صداقة حميمة طوال ثلاثة عقود, فكان الجاوي رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين رحمه الله حينها قبل الوحدة الجليس الخاص والمستشار الروحي للبيض.
*دوافع خفية نحو الوحدة*
لم تكن أزمة الجنوب بعد أحداث 13 يناير أقتصادية-مالية وأفق سياسي مسدود للعلاقات الدولية فقط ?.
أكثر من ذلك تدخلت مراكز القوى العسكرية المناطقية ألمسيطرة في عدن بعد المأساة وحلت مكان سلطة إدارة مرافق الدولة وفرض إرادتها على القرار السياسي الأعلى.
حتى أن رئيس الوزراء الدكتور ياسين سعيد نعمان لم يتمكن من استعادة مصنع الفيوش في لحج وغيره من المعامل والمرافق الحكومية من العسكر.
وكان الرئيس حيدر العطاس لا يدخل مقر اللجنة المركزية في التواهي إلا بتفتيش سيارات مرافقيه كل صباح !!.
وعندما جازف علي سالم البيض أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني بإلقاء محاضرات بالجنود قبيل الكونفرنس الحزبي 1987م لاستخلاص دروس ما حدث وجد المعسكرات مفخخة ضده بسؤال(من أين لك هذا??) يقصدون غرفة بناها نجله عدنان فوق سطح منزل عمته الشعبي القريب منا في التواهي.
والبيض يبرز أمام العسكر دفتر توفير حسابه في البنك لتأكيد تلقي عدنان مساعدات مالية متواضعه من عمه في الإمارات !!
تم تحجيم سلطات البيض الفعلية كأمين عام للحزب ورئيس فعلي بفرض موقع أمين عام مساعد(سالم صالح محمد) ورئاسة مجلس الشعب الأعلى( حيدر العطاس)!!.
عجلت عقلية ألتيار العسكري المهيمن على عدن بعد يناير 86م للأسف بذهاب تيار البيض القسري للوحدة مع نظام صالح دون حساب النتائج ولا كان استمرار الرضوخ لعجرفة العسكر مقبولاً أيضاً !!.
*حسابات البيض الوطنية*
إعتقد البيض رحمه الله أنه سيكون بذلك محل تقدير لصياغة مشروع حضاري للدولة اليمنية القادمة..
ولكنه للأسف راهن على تيار عسكري-قبلي-ديني في الشمال أسوأ من وضع وعقلية عساكر الجنوب.
شاهد علي سالم البيض رفاقه القادة القادمين من الجنوب يغتسلون بدمائهم بعد الوحدة في شوارع العاصمة صنعاء برصاص غدر صالح-ألأحمر-ألإخوان.. وقع عليهم فخ محكم خبيث.
أولى الجرائم اغتيال المهندس حسن علي الحريبي(أبو فهد) رحمه الله ألذي قضى في جريمة اغتيال مدبرة فاشلة للأستاذ الزعيم عمر الجاوي في حي حدة بصنعاء سبتمبر 1991م ألذي كان بجانب الحريبي في سيارته.
قال لي الأستاذ عمر الجاوي بعد نجاته من الجريمة بأعجوبة في معلومة أكشفها لأول مرة : أنه كان المستهدف لكنه لمح بسرعة توجيه القتلة لرشاشهم من سيارة هايلوكس بيضاء فدس رأسه وحنى ظهره أسفل الباب ومقدمة السيارة جهة اليمن ليخترق الرصاص رأس وصدر رفيقه, وأصيب هو برصاصة غرزت في كتفه الأيسر).
سارع الأستاذ علي سالم البيض مع حراسته إثر علمه بالجريمة القريبة من منزله لإسعاف الجاوي ونقله إلى بيته وأعطاه من ملابسه(معوز وقميص وحزام) بعد تبلل ملابس الأخير بالدماء.
*الشيخ الأحمر والجاوي وأنا*
قال الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر قبل ذلك لعلي سالم البيض بلهجة غاضبة: أبلغ صاحبك عمر الجاوي قول له لا تذكر أسمي في صحيفة التجمع).
قبلها أرسل الشيخ إلى عدن موفدين قبليين عنه لمقابلة الأستاذ عمر الجاوي الذي طلب مني مغادرة مقر الصحيفة.. فهمت مغزى ذلك منه لاحقاً.
وحين تعانقنا بحرارة وتأثر بعد محاولة الإغتيال الآثمة قال : هذه نتيجة وفد الشيخ) في تلميح إلى وضعي معه ضمن القائمة.
وقد كتب هو مقالات عن دور القبيلة والشيوخ, وكتبت مقالتي التحليلية(من يحكم اليمن ?) ودردشات أثارت حفيظة الأحمر وشيوخ الإخوان وللتوازن أيضاً لم أغفل عن تناول البيض وقيادات اشتراكية بين مناسبة وأخرى.
صدرت فتاوى ظلامية مشتركة من مرشدي المؤتمر الإخوان(عمر أحمد سيف وياسين عبدالعزيز-أليدومي والزنداني) بالإجهاز على بعض القادة السياسيين والوزراء وتهديد آخرين بعد تكييفات دينية غالباً منها الإلحاد, محاربة العقيدة كما حدث في جريمة اغتيال وزير العدل عبدالواسع سلام الذي فقد إحدى عينيه ولم يمت, والشهيد ماجد مرشد وقصف سكن ياسين سعيد نعمان بمقذوف وتضييق النقاط العسكرية على حيدر العطاس وغيرهم.
*صالح.. ألسلطة قبل الوحدة*
دافع علي عبدالله صالح عن بقائه في السلطة باسم الدفاع عن الوحدة.
وعندما أعلن الفقيد علي سالم البيض رحمه الله فك الإرتباط كان يأمل في تصحيح مسار الوحدة لا إنهائها.
وأكدت خاتمة إعلانه ذلك في 21 مايو 1994 على إمكانية تحقيق الوحدة اليمنية مرة أخرى في ظروف مواتية.
والمفارقة أن الأستاذ عمر الجاوي حضر إعلان البيض البيان في فندق عدن موفنبيك واعترض على الإعلان وأطلق عليه أصحاب الجناح العسكري النار بعد خروجه من الفندق مباشرة ونجا بأعجوبة بعد إصابته في الكتف.
*من أوسع أبواب التاريخ*
أراد الرجل دخول التاريخ من أوسع أبوابه .. وذلك ما حدث بالفعل بصرف النظر عن غدر ومكر الأطراف الأخرى بالوحدة(علي صالح والأحمر والإخوان).
تجاوز علي سالم البيض رحمه الله قبل وبعد وفاته شعبية خصمه اللدود نفسه علي عبدالله صالح, فيترحم عليه اليوم خصومه وأصدقائه بالدرجة نفسها.
تفاءل الناس في شمال اليمن قبل جنوبها بقدوم رموز دولة النظام والقانون إلى صنعاء رغم ما عليها من مآخذ ونواقص .. وأفسد مؤسساتها وإدارتها عساكر ما بعد 13 يناير.
ووقع الزعيم الراحل علي سالم البيض بعد عودته إلى عدن أواخر 1993م بعد زيارته لأمريكا ولقائه رئيسها في حيرة إما ألهروب من منظومة تحالف صالح وشركاه البغيضه وإما العودة القسرية إلى حضن الدولة الشطرية السابقة يتحكم بمصير الجميع فيها العسكر أنفسهم ألذين هرب منهم الرجل ورفاقه بعد تجربة 13 يناير إلى الوحدة من قبل.
رحم الله صانع التحولات الكبيرة في تاريخ اليمن المعاصر والقديم الزعيم الراحل والخالد في القلوب علي سالم البيض وأسكنه فسيح جناته ورضوانه..
عبدالفتاح الحكيمي.
ألخميس 22 يناير 2026م