آخر تحديث :الأحد - 08 مارس 2026 - 01:37 ص

كتابات واقلام


قدسية الراية .. والسياسة المزدوجة

الأحد - 08 مارس 2026 - الساعة 12:11 ص

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


حين سُئل السعوديون: لماذا لا تدخلون مواجهة مباشرة مع إيران دفاعاً عن كرامتكم وسيادتكم أو ما تسمونه بأمنكم القومي؟
جاء الجواب مدهشاً في بساطته، ومربكاً في منطقه:
نحن لا نريد أن نعطي إسرائيل فرصة لتصوير الأمر وكأنه حرب أمريكية/صهيونية ضد بلدٍ مسلم وموحد، يحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.
عند هذه النقطة تحديداً، يتوقف العقل قليلاً.
ليتساءل ببساطة: كيف تصبح حساسية “الراية” معياراً حين يتعلق الأمر بإيران، بينما لم تكن هذه الحساسية نفسها حاضرة يوم كانت الطائرات السعودية تمطر سماء الجنوب بمئات الغارات في حضرموت والضالع، وكأن من يسكن تلك الأرض شعبٌ خارج دائرة الإسلام، أو قومٌ لا تجمعهم بهم لا عقيدة ولا قبلة؟
هنا فقط تتكشّف المفارقة كاملة:
حين تكون السياسة هي الحاكمة، تصبح الرايات مجرد عناوين تُرفع في خطابٍ، وتُغلق بين قوسين في خطابٍ آخر
ليس لأن الجواب عميق، بل لأن حجم المفارقة فيه يحتاج لحظة صمت كي يستوعبه المرء.
فالدولة التي تقود تحالفات عسكرية، وتفتح قواعدها للقوات الأجنبية، وتنسّق أمنياً مع نصف العالم، وتخوض حرباً منذ سنوات في اليمن تحت لافتات مخزية، فجأة تتذكر حساسية الصورة أمام الرأي العام الإسلامي!
يا للمفارقة.
يبدو أن المشكلة ليست في الحرب نفسها، بل في "زاوية الرؤية" التي قد تُلتقط منها الحرب القذرة.
بمعنى آخر:
لا بأس أن تدور الصراعات، ولا بأس أن تتقاطع المصالح، ولا بأس أن تمتلئ المنطقة بالقواعد والتحالفات، المهم فقط ألا تبدو الصورة وكأنها مواجهة بين معسكرٍ غربي وإيران، لأن إيران – في النهاية – بلد مسلم يرفع الشهادتين.
هنا يتساءل المواطن العربي البسيط:
ومنذ متى أصبحت الشعارات الدينية هي التي تحدد طبيعة الصراعات في المنطقة؟
أليست الدول تُحاكم اليوم بمواقفها وسياساتها وأفعالها، لا بما هو مكتوب في دستورها؟
لو كانت راية "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" تكفي، لكانت كل الحروب بين المسلمين قد اختفت من التاريخ، ولما عرفنا صراعاً واحداً بين دولتين ترفعان الشهادة نفسها.
لكن الواقع – كما نراه – يقول شيئاً مختلفاً تماماً.
والأغرب من ذلك أن هذا التفسير يأتي في لحظة تتعرض فيها هيبة المملكة وكرامة شعبها لاختبار حقيقي، وتتصاعد فيها الأسئلة داخل الشارع السعودي قبل غيره:
هل المسألة حسابات إستراتيجية؟
أم توازنات دولية؟
أم أن القرار ببساطة أكبر من أن يُقال بصراحة؟
لأن الشعوب، بطبيعتها، تفهم لغة المصالح أكثر مما تفهم لغة التبريرات.
هي تدرك أن الدول قد تتجنب الحرب لأنها مكلفة، أو لأنها غير مضمونة النتائج، أو لأن ميزان القوى لا يسمح بها.
كل هذه أسباب واقعية يمكن أن يتفهمها الناس.
لكن أن يُقال إن المشكلة في أن إسرائيل قد "تفسّر الحرب بطريقة خاطئة"، فهذه حجة تبدو أقرب إلى محاولة تجميل القرار، لا تفسيره.
وفي السياسة، حين يبدأ القادة بتقديم تفسيرات لا تقنع حتى أصحابها، فهذه علامة على أن الرواية الرسمية لم تعد قادرة على حمل الحقيقة كاملة.
ولهذا يقف المتابع العربي اليوم حائراً أمام هذا المشهد:
هل يضحك من هذا التبرير؟
أم يبكي على حجم التراجع الذي وصل إليه الخطاب السياسي السعودي؟
أم يكتفي بالصمت، لأن الكلام لم يعد يغيّر شيئاً؟
ربما كل ما سبق معاً.
ففي زمنٍ كهذا، لم تعد المفارقات تحتاج إلى كاتب ساخر كي يكشفها…
هي تكتب نفسها بنفسها بلغة الضعيف المكابر، الذي لا يقدر على حماية نفسه.
لكنه يملك حق البطش بجاره بلا رحمة ولا شفقة.

الله المستعان،،