آخر تحديث :الجمعة - 30 يناير 2026 - 07:56 م

اخبار وتقارير


الحوار الجنوبي–الجنوبي: أي معنى للتفاهم في ظل تقييد الحوامل السياسية؟

الجمعة - 30 يناير 2026 - 06:43 م بتوقيت عدن

الحوار الجنوبي–الجنوبي: أي معنى للتفاهم في ظل تقييد الحوامل السياسية؟

عدن تايم /تقرير /أ. منى هيثم.

في ظل الجهود المبذولة لإطلاق الحوار الجنوبي–الجنوبي كمسار يهدف إلى تعزيز التفاهم ومعالجة القضايا الخلافية في الساحة الجنوبية، تبرز الحاجة إلى التوقف عند طبيعة البيئة السياسية المصاحبة لهذه الجهود، فنجاح أي حوار لا يرتبط بإعلان انعقاده فحسب، بل يتطلب مناخًا إيجابيًا يطمئن مختلف المكونات السياسية ويكفل لها ممارسة دورها ضمن إطار من الاحترام المتبادل والشراكة. ومن هذا المنطلق، تطرح بعض التطورات الميدانية تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام الإجراءات المتخذة مع متطلبات تهيئة حوار جامع وقادر على تحقيق أهدافه المرجوة.

وبشكل عام أرى أن اغلاق مقر الجمعية الوطنية في هذا التوقيت يعبّر عن إشكالية حقيقية تمس جوهر أي عملية حوار سياسي ناجحة، وليس مجرد حادثة إجرائية عابرة، إذا ما نظرنا إلى الحدث بمنظور سياسي هادئ وواقعي ومن عدة زوايا.


أولًا: من زاوية منطق الحوار.

أي حوار سياسي، خصوصًا حوارًا حساسًا كـ «الحوار الجنوبي–الجنوبي»، يفترض تهيئة مناخ آمن ومحايد.

والامتناع عن أي خطوات ميدانية تُفسَّر كضغط أو إقصاء و.احترام الحوامل السياسية القائمة، بغضّ النظر عن الاختلاف، معها لكن اغلاق الجمعية الوطنية يتناقض مع هذه المبادئ، لأنه يبعث برسالة سلبية مفادها أن الحوار يُدار بينما تُقيَّد أدوات العمل السياسي على الأرض.


ثانيًا: من زاوية المجلس الانتقالي الجنوبي.

المجلس الانتقالي كيان سياسي موجود وفاعل يمتلك قاعدة شعبية وحضورًا تنظيميًا ويشكّل، شئنا أم أبينا، حاملًا سياسيًا رئيسيًا للقضية الجنوبية.

التعامل معه كـ «مشكلة إدارية» أو كمؤسسة يمكن تعطيلها ميدانيًا يضعف الحامل السياسي للقضية الجنوبية ككل، وليس الانتقالي وحده، ويخلق انطباعًا بأن هناك محاولة لإعادة إنتاج الإقصاء بأدوات جديدة.


ثالثًا: توقيت الخطوة وخطورتها.

تكتسب هذه الخطوة دلالتها من توقيتها الحساس، إذ تأتي في مرحلة لم تُستكمل فيها بعد المتطلبات الأساسية للحوار، وفي مقدمتها تشكيل لجنة تحضيرية واضحة، وتحديد معايير شفافة للدعوات، فضلًا عن غياب إطار سياسي جامع ومتوافق عليه ينظّم مسار الحوار وأهدافه.

وفي ظل هذا السياق، فإن أي إجراء ذي طابع أمني أو عسكري يُتخذ بحق مؤسسة سياسية سيُفهم بالضرورة في إطاره السياسي، لا الإداري، وقد يُنظر إليه على أنه محاولة للتأثير في موازين المشهد قبل بدء الحوار، بدلًا من الإسهام في تهيئة الظروف الملائمة لإنجاحه.

رابعًا: الأثر السياسي المتوقع.

مثل هذه التصرفات قد تخلّف آثارًا سياسية مباشرة، لعل أبرزها تراجع مستوى الثقة بجدية مسار الحوار وأهدافه، وهو ما قد يدفع بعض القوى الجنوبية إلى الإحجام عن المشاركة أو التعامل بحذر وتشكيك مع مخرجاته المحتملة. كما أن انعكاس هذه الإجراءات على صورة الحوار أمام الرأي العام الجنوبي قد يُضعف من فرص قبوله شعبيًا، ويحدّ من قدرته على أداء دوره كمسار جامع. وفي المحصلة، فإن استمرار هذا النهج قد يسهم في تعميق الانقسامات القائمة بدلًا من معالجتها، بما يفرغ الحوار من مضمونه السياسي والوطني.


خلاصة القول.

في ضوء ما سبق، يمكن النظر إلى قرار إغلاق مقر الجمعية الوطنية، أياً كانت الجهة التي اتخذته، بوصفه إجراءً لا ينسجم مع متطلبات العمل السياسي السليم، ولا يسهم في تهيئة المناخ المناسب للتفاهم، بل قد يؤدي إلى إضعاف البيئة السياسية العامة، والإضرار بالقضية الجنوبية، وتحويل مسار الحوار من فرصة تاريخية لبناء توافق حقيقي إلى مسار هش قابل للتعثر.

وإذا كان هناك حرص صادق على إنجاح الحوار الجنوبي–الجنوبي، فإن ذلك يستدعي تحييد المؤسسات السياسية عن أي صراعات ميدانية، ومعالجة الخلافات عبر الأدوات السياسية والحوارية، والعمل على بناء الثقة باعتبارها المدخل الأساسي لأي توافق مستدام.