إن الكاتب (مطهر تقي) يسعى لتحميل الرئيس هادي كل جرائم السلب والنهب والعبث والتهميش والإقصاء والتمييز السلبي التي تعرض لها الجنوب والجنوبيون، في محاولة لتبرئة نظام صنعاء وأساطينه ونافذيه من كل الجرائم التي أنتجتها الحرب بحق الجنوب وأبنائه، أو كما كان علي عبد الله صالح يكرر "الزمرة ينهبون الطغمة والطغمة ينهبون الزمرة" وكأن البلاد ليس فيها سوى زمرة وطغمة، أو كأنه يتحدث عن بلدٍ لا علاقة له بها وبأهلها، وهو مجرد سائحٍ عابرٍ بالصدفة بين أهلها، وهي افتراءات مكشوفة وتلفيقات عاريةٌ عن كل صحة، بل هي استمرار للتسلي بالنزاعات الجنونبية-الجنوبية حتى باستخدام جرائم النظام نفسه وكبار نافذيه.
لكن حتى لو جارينا الرجل ادعاءَه هذا (والحقيقة ليست كذلك بطبيعة الحال) فإن الكاتب قد فاته ثلاثة أمور يقع فيهما كل الذين يتسترون على جرائم النظام ومنكراته من أدعياء الوطنية والوحدوية زوراً وبهتاناً، وتلك الأمور هي:
1.إن الفريق هادي لم يكن يمثل نفسه أو منطقته أو قبيلته، ولكنه كان يمثل سلطة دولةٍ لها رئيس وحكومة وبرلمان ومؤسسات، لا شك أن كل هؤلاء قد علموا بكل هذه الجرائم وكانوا راضيين عنها ومنهم من شارك فيها؛
2.إن الشعب الجنوبي لم يكن يهمه من هو الناهب والسالب إن كان شمالياً أو جنوبياً، لأن سياسة النهب والسلب كانت نهجاً رسمياً للسلطة الرسمية المنتصرة على الشعب الجنوبي؛
3.إن نائب الرئيس (الرئيس لاحقاً) الفريق هادي لم يكن يملك سلطة اتخاذ القرار في تلك القضايا الشائكة والجرائم المتعددة التي يتمتع مرتكبوها بنفوذٍ وسلطاتٍ تفوق سلطات الفريق هادي نفسه سواءٌ كنائب رئيس أو حتى حينما أصبح رئيساً للبلد.
د. أما القول إن الناهبين كانوا 18 اسم (وأغلبهم جنوبيون) فتلك فريَّة لا يقول بها إلا الأغبياء أو من يتصنعون الغباء لحاجةٍ في نفوسه، فكل الصحف والمواقع الإلكترونية قد نشرت قائمة بأكثر من 300 اسم هم من أهم كبار الناهبين (وليسوا جميعهم) وكلهم من مستوى وزير وعميد وقائد منطقة عسكرية ومحافظ وشيخ كبير ومشائخ متوسطين وصغار ومدراء عموم وأبنائهم وأقاربهم ممن سطوا على كل الجنوب، وإذا ما كان بينهم بعض الجنوبيين وهذا أمر وارد ومحتمل فهم لم يكونوا سوى جزءٍ من السلطة المنتصرة ولم يفعلوا ذلك ليأخذوا حصة الجنوب من النهب والمنهوبات.
4. ولم يفت هذا الـ"التقي" أن يستعرض فترة الحراك الجنوبي، ودون أن يرمش له جفن اعترف بأن مئات الآلاف من الجنوبيين المبعدين من أعمالهم لم تصرف مرتباتهم طوال أكثر من 14 سنة، وجاء اعترافه ضمنيا بأن الرئيس وجه بصرف 60 مليارر يال لم يقل لمن صُرِفت ولا كيف صُرِفت، ويعلم الجميع أن مثل هذه الحالات تبتلع لجان الصرف أكثر من نصف المبالغ المخصصة، وفي كل الأحوال فقد قدم الكاتب هذا التصرف على إنه مكرمة عظيمة من مكارم "الزعيم الرمز"، ولم يقل لنا لماذا لم تصرف تلك تالمليارات في حينها، ولماذا أوقف دفعالمرتبات لمئات الآلاف من المدنيين والعسكريين الجنوبيين على مدى قرابة العقد والنصف تقريباً من أعمارهم المهدورة.
لكن الأهم من هذا فإن الكاتب وهو يتحدث عن ثورة الحراك الجنوبي السلمي لم يقل كلمةً واحدةً عن أكثر من ثلاثة آلاف شهيد وأضعافهم من الجرحى ممن تعرضوا للقتل والإصابة المباشرين رميا برصاص أجهزة الأمن التي كان يقودها رشاد العليمي وبتوجيهات مباشرة من قبل "الزعيم الرمز"، وعدم تعرض الكاتب لهذه القضية المحورية ليس لافتقاره للمعلومات أو لعدم معرفته بها، لكنه يأتي لأن الكاتب غير معني بالأرواح التي تزهق والدماء التي تسال، فذلك هو نهجٌ رسميٌ للنظام الذي يتبنى الكاتب سياساته ويدافع عنها.
5. ونأتي إلى فترة الـــ 2011م التي قال فيها الكاتب كلاماً غريباً حيث " تولى عبدربه منصور هادي و إبنه جلال السلطه (يقصد السلطة) و معه أحزاب اللقاء المشترك بقيادة الاشتراكي و الإصلاح،. . . استمر حكم عبدربه منصور هادي من صنعاء قرابة اربع سنوات كان أهم إنجازاته تفكيك الجيش اليمني وهيكليته بواسطة خبراء غير يمنيين، و بعد فراره إلى عدن ثم الرياض و طلبه العدوان على اليمن في مارس ٢٠١٥ إستمر في حكمه قرابة تسع سنوات ثم تولى بعده مجلس القيادة الرئاسية".
هكذا يختصر مطهر تقي أهم فترة في تاريخ نظام صنعاء الذي يمثله ويدافع عن سياساته، وأكثرها اضطراباً واتجاهاً نحو الانهيار الشامل في أقل من عشرة أسطر يكرسها لفشل الرئيس (الجنوبي) عبد ربه منصور هادي، ولا أدري كيف ولماذا حشر اسم (ابنه جلال) في موضوع الرئاسة وفترة الحكم، وهنا يمكن ملاحظة الآتي:
أ.لقد قفز الكاتب على أهم ظاهرة اضطراب عرفها نظام صنعاء منذ العام 1962م، وهي فترة ثورة الشباب السلمية، ولم يقل عنها شيئا سوى إنه تم نقل السلطة إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي، ولم يقل شيئا عن مئات الشباب الذين تم قتلهم في فعالياتهم السلمية كما في مجازر جمعة الكرامة (18 مارس 2011م) وبنك الدم والمدينة الرياضية، وغيرها.
ب.لم يتوقف الكاتب عند المؤامرة الدنيئة التي تعرضت لها محافظة أبين من خلال توجيه "الزعيم الرمز" لمعسكراته وألويته وفيالقه العسكرية التي يتجاوز عددها المائة ألف ضابط وجندي في المنطقة العسكرية الجنوبية التي كان يقودها المدعو مهدي مقوله، بتسليم محافظة أبين لشركائه ممن أسماهم بـ"أنصار الشريعة"، وهم نسخة مطورة من تنظيمي داعش والقاعدة، وما ترتب على تلك الجريمة من حرب قتل وتدمير وتهجير وتشريد أكثر من ثلاثمائة ألف من أبناء مديريات محافظة أبين بعضهم لم يستعد منزله حتى اليوم ولم ينل التعويض العادل لما لحق به وبأسرته من أضرار مادية وبشرية.
جـ.تحاشى الكاتب الحديث عن جريمة الانقلاب الحوثي-العفاشي على الجمهورية والشرعية، وتسليم صنعاء ومعها كل محافظات الشمال بمؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية للجماعة الحوثية انتقاماً من الرئيس هادي ورئيس حكومته (الجنوبيين)، والأهم من كل هذا معركة غزو عدن ومحافظات الجنوب أو بالأخرى تسليم عدن والمحافظات المجاورة لها من قبل قوات صالح للحوثيين وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها التحالف الانقلابي، بحق المدنيين من النساء والأطفال والعجزة من الجنوبيين وما يواصلونه حتى اليوم بحق المواطنين والمواطنات من الشماليين. . . ، إن الكاتب لم يكن يهمه أن يتناول كل هذه اللحظات المشوبة بالجريمة والتوحش والبهيمية، لأنها لا تتضمن أية مظلومية بحق الشماليين من قبل الجنوبيين، أما جرائم التحالف الانقلابي التي ارتكبها بحق المدنيين الجنوبيين وتواصل ارتكابها اليوم مع أبناء وبنات الشمال فهي تمثل للكاتب لُعَب صغيرة كان الانقلابيون يتسلون بها، ولا تستحق أن يعيرها سطراً أو سطرين من سرديته المطولة.
وأخيرا يتساءل الكاتب: من ظلم من؟ وهل " من حق الشمال أن يعلنوا أيضا مضلوميتهم (يقصد مظلوميتهم) ضد كل الإفترائات (يقصد الافتراءات) التي ألصقت بهم و كل التهم الكاذبة عليهم"؟
وخلاصة القول
إن أكبر مغالطة يمارسها الكاتب تتمثل في وضع الشعب الشمالي في مواجهة الشعب الجنوبي ثم يذهب مدافعا عن الشعب الشمالي، وهي مغالطة تقوم على فكرة خرقاء لأنه يحاول أن يدحض اتهاما لا وجود له ويحاول تبرئة متهمٍ لا يتهمه أحدٌ بشي، بقدر ما ننظر إليه كضحية من ضحايا الظلم الأكبر، والكاتب بهذا يتستر على مرتكبي الموبقات والمظالم والكبائر، من خلال تحويل الاتهام نحو الشعب الشمالي البرئ من كل أفعال من يدعون تمثيله
انتهى