آخر تحديث :الجمعة - 20 فبراير 2026 - 05:23 ص

كتابات


ليل دامٍ في عدن.. ما الذي يريده السعوديون من الجنوب؟

الجمعة - 20 فبراير 2026 - 04:48 ص بتوقيت عدن

ليل دامٍ في عدن.. ما الذي يريده السعوديون من الجنوب؟

كتب/صالح أبو عوذل

قوة مفرطة استخدمتها القوات المدعومة سعوديًا، والتي أدخلها الحاكم العسكري "فلاح الشهراني" خلسة إلى العاصمة عدن، بعد أن أوهم الجميع أنه يريد إخراج القوات العسكرية من المدينة واستبدالها بقوات أمنية "قوات الأمن الوطني". فهل القوات الأمنية تمتلك هذه الأسلحة المتوسطة؟ ولماذا اختارت هذه القوات إطلاق الرصاص بشكل مميت تجاه المحتجين الذين عبّروا عن رفضهم إدخال عناصر يمنية شمالية أبدت موقفاً متشفياً تجاه الجنوب؟

رحم الله الشهيد المناضل عبدالسلام الشبحي، الذي ارتقى شهيداً بنيران الأذرع السعودية في محيط قصر معاشيق، ونسأل الله الشفاء العاجل للجرحى الذين أُصيبوا في هذه الأعمال القمعية الوحشية تجاه متظاهرين سلميين لم يحملوا أسلحة أو أي شيء يمكن أن يهدد هذه الحكومة، سوى أنهم أرادوا التعبير عن رفضهم كل أشكال الوصاية.

هناك سردية سعودية، وهي نتيجة موجهات لمن كانوا يوما من الأيام أعضاء في المجلس الانتقالي الجنوبي، تحاول بعض هذه الشخصيات تمرير سردية مناطقية تقوم على أساس فرز مناطقي، من قبيل: كيف للمجلس أن يسمح سابقا بوزراء شماليين متواجدين في عدن ويرفض اليوم؟


لا أود تذكير هؤلاء أن السعودية قد حلّت المجلس الانتقالي الجنوبي بعد أن فكّكت القوات الجنوبية بالضربة الجوية المعروفة، والتي سبقها فتاوى دينية تكفيرية.

التذاكي على الناس بالقول إنه كان يُسمح للشماليين سابقا والآن يتم الرفض، أين سقط القصف السعودي من ذاكرتكم؟ رمي الاتهامات على دول إقليمية ومحاولة تبييض الوصاية السعودية أفكار سخيفة، لكن من يتحدث بهذه السردية يمثل النظام السعودي الذي جاء بحكومة على مقاس تدخلاته السافرة. ما الذي يريده السعوديون اليوم؟ سؤال لو طُرح بين هؤلاء لأدركوا أن التزام الصمت أفضل وسيلة لهم.

ولكي تكون الإجابة دقيقة، نتابع السردية السعودية على لسان ما يمكن تسميتهم بالنخب الشمالية المقربة جداً من اللجنة الخاصة السعودية، ومن تلك الأسماء صاحب أكبر ميزانية مالية لصحيفة الثورة "سام الذماري"، الذي كتب مقالاً ينفي فيه وجود أي شيء اسمه القضية الجنوبية. لذلك قد لا تستغرب، عزيزي الجنوبي، أن تستمع إلى فلاح الشهراني وهو يتحدث عن جنوب اليمن وحضرموت والمهرة، فهو يرى أن القضية الجنوبية محصورة في ثلاث محافظات: أبين، عدن، لحج، وما دون ذلك مناطق نفوذ سعودية.

يرى الذماري، المعروف بالميزانية المليارية لصحيفة تُوزع بصيغة PDF، أنه لا وجود لشيء اسمه قضية جنوبية من الأساس، وأن القضية حقوقية فقط، وأن السعودية تقوم بدفع خطر الانفصال عن اليمن.

الذماري الذي كتب مبتذلاً ذات يوم "اليمن السعودي"، وهو من ذات المحافظة التي ينتمي إليها عبدالعزيز جباري، الذي يرى أن السعودية اسم أسرة وليست هوية دولة.

ينكر الذماري وجود قضية جنوبية، كما ينكر أمام السعوديين أن أشقاءه وأبناءهم يقاتلون في صف جماعة الحوثيين على الحدود اليمنية السعودية، وأن جماعة الحوثي تقف على خزان ذمار البشري الكبير الذي يشكل القوة البشرية للجماعة المسلحة.

ولأنني لا أرغب كثيرًا في تناول السردية الجنوبية، وأرى أن كل ما يُكتب هو فوق قناعات الأشخاص، فإن ذلك لا يمنع من التصدي لأي خطاب إعلامي ينال من الثوابت الوطنية التي يجمع عليها الجنوبيون. فنحن جزء من هذا الشعب، وبالتالي من حقنا أن نعبر عنه بالرأي، لكن حين تستمر السردية ويتضح لنا أنها لم تعد قناعة قسرية، بل باتت تولد طبيعياً من رحم أفكار التلقيح العابر للحدود، فمن المهم أن يتم التصدي لها بقوة.

السعوديون يقدمون "أفكار العشم"، ويقدمون أنفسهم على أنهم نجحوا في تسوية الأرضية أمام الاتفاق مع الحوثيين، ولم يتبقَّ إلا تفكيك القضية وإعادة ضبطها وفق إملاءات الرياض، وهي بالمناسبة شروط الحوثيين الموالين لإيران.

وفي الوقت نفسه تقوم السردية السعودية، والموجهات للإخوان، على فكرة أن الجنوب سيكون وطنا بديلا لهم، وأن الموارد ستكون تحت تصرف التنظيم شريطة أن تكون الطاعة عمياء للرياض.


وتجاه الجنوب يقدم السعوديون سردية الاعتراف بالقضية الجنوبية، لكن هذه القضية أقصى حدودها المحفد وأحور، وما بعد ذلك فهو ملك للسعودية ونفوذها العابر للحدود.

هل أخطأ السعوديون أم أخطأ المجلس الانتقالي الجنوبي؟ المنطقي يقول إن المعتدي هو المخطئ؛ فهو اختار معركة ليست معركته، لكنه أراد جني ثمار التدخل العسكري من خلال نفوذ على بحر العرب، ولكنه لا يدرك أن الضربة العسكرية تلك قد غيرت الحسابات والقناعات، وأن تمرير أي مشاريع بأي سردية سيكون مصيره الفشل.

فالرياض ونظامها القمعي معتدٍ ويعترف بذلك، ولكن مبرراته الواهية سقطت بزيارة وزير الدفاع السعودي إلى الولايات المتحدة ولقائه بالمسؤولين الإسرائيليين، ثم إرسال وزير الخارجية إلى هناك. تعددت الوفود، ولكن المهمة كانت الاعتذار للإسرائيليين عن خطاب معاداة السامية.

النظام السعودي جرّف الجنوب من الناشطين والصحافيين الذين أصبحوا مشرّدين يبحثون عن الأمان، وها هو يواجه الاحتجاجات بالقمع الوحشي. والسؤال الذي يفرض نفسه: إلى أين يمكن أن تذهب الرياض في مشروعها هذا؟.