تحت عنوان : "الجنوب أمام اللحظة التاريخية: استثمار الحرب الإقليمية لتعزيز السيادة واستقلال القرار ونزولًا عند رغبة عدد من الإخوة الذين يتابعون مقالاته على صفحته ، قال البرفيسور توفيق جزوليت : آثرت أن أضع بين أيديكم هذه القراءة الأولية للمستجدات الإقليمية العسكرية وانعكاساتها المحتملة على المشهد الجنوبي.
ما رافق هذا التصعيد من استهداف مصالح استراتيجية في الخليج، ودخول المنطقة مرحلة إعادة تموضع أمني وسياسي، يجعل من غير الممكن قراءة الملف اليمني والجنوب تحديداً بعين الأمس. فالحرب الدائرة، سواء اتسعت أو تم احتواؤها، أعادت ترتيب الأولويات لدى العواصم الإقليمية، وجعلت من البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن نقاط ارتكاز في معادلة الأمن القومي الخليجي والدولي. وفي هذا السياق، يصبح الجنوب ليس هامشاً في المشهد، بل رقماً صعباً في معادلة الاستقرار أو الاضطراب.
التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، مع النفوذ الإيراني عبر حركة أنصار الله في الشمال، يضع الخليج ومنطقة البحر الأحمر أمام مرحلة إعادة ترتيب أولويات الأمن والاستقرار. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز الجنوب ليس كملف ثانوي، بل كركيزة استراتيجية يمكن لشعبه وقيادته استثمارها لصالح سيادته وقراره المستقل.
أولاً: هل يمكن أن يتغير المشهد في الجنوب؟ نعم، لكن ليس تلقائياً. التحولات الإقليمية الكبرى غالباً ما تعيد ترتيب الأولويات، ودول الخليج عندما تشعر بتهديد مباشر لأمنها الاستراتيجي تعيد تقييم ملفاتها، ومنها الملف اليمني والجنوب تحديداً.
إذا تصاعد التوتر مع إيران أو طال أمده، فستصبح حماية الممرات البحرية في باب المندب أولوية قصوى. و استقرار المناطق غير الخاضعة للحوثي مصلحة أمنية مباشرة. و البحث عن شركاء محليين موثوقين ضرورة لا خياراً.
وهنا يبرز الجنوب كعامل استقرار محتمل، إذا استطاع تقديم نفسه ككيان منظم، موحد، وقادر على ضبط الأرض وبناء مؤسسات فاعلة.
ثانياً: هل ستغير السعودية سياستها تجاه القضية الجنوبية التغيير وارد، لكنه مرتبط بثلاثة عوامل رئيسية:
1. مدى خطورة التهديد الإيراني على الخليج كلما زاد التهديد، زادت الحاجة إلى إعادة هندسة التحالفات.
2. قدرة الجنوب على توحيد صفه
وحدة القرار الجنوبي شرط أساسي لأي تحول في الموقف الإقليمي. الانقسامات الداخلية تضعف القدرة التفاوضية، بينما الوحدة تمنح ثقلاً سياسياً يصعب تجاوزه.
3. طرح مشروع سياسي واقعي
المجتمع الدولي والإقليمي يتعامل مع المشاريع القابلة للتطبيق، لا مع الشعارات. وجود رؤية واضحة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، يعزز فرص التعامل مع الجنوب كشريك لا كملف.
السيناريوهات المحتملة :
أولاً: سيناريو الاحتواء تسعى الرياض إلى ضبط الجنوب ضمن ترتيبات أمنية جديدة، دون منحه هامشاً سياسياً واسعاً، مع التركيز على الاستقرار وضبط الأرض.
ثانياً: سيناريو إعادة التوازن
منح الجنوب دوراً سياسياً وأمنياً أكبر، مقابل التزامه بالاستقرار وحماية المصالح الاستراتيجية، خاصة في الممرات البحرية.
ثالثاً: سيناريو الجمود
إذا انتهت الأزمة سريعاً، قد تعود السياسات إلى ما كانت عليه مع تعديلات طفيفة، دون تغيير جوهري في مقاربة الملف الجنوبي.
الأحداث الإقليمية تفتح نافذة، لكنها لا تضمن نتيجة. إذا أحسن الجنوب قراءة اللحظة – موحداً وبمؤسسات قوية – فسيكون طرفاً لا يمكن تجاوزه.أما إذا استمرت الانقسامات، فستتعامل الدول معه كملف أمني لا كشريك سياسي.
موقع الجنوب على مضيق باب المندب وخليج عدن يجعله عنصراً محورياً لحماية خطوط الملاحة والتجارة العالمية. واستقراره يمثل عنصر توازن إقليمي يقلل من نفوذ إيران والحوثي، ويزيد من أهميته في الحسابات الاستراتيجية لدول الخليج.
نحن أمام لحظة تاريخية دقيقة.
الحرب الإقليمية قد تعيد تشكيل موازين القوى، لكنها لن تصنع مستقبلاً للجنوب ما لم يصنعه أبناؤه أولاً.
وحدة الصف، بناء المؤسسات، تطوير الخطاب السياسي والدبلوماسي، والتحول من ردّ الفعل إلى صناعة الفعل… هي مفاتيح تحويل التحدي إلى فرصة.
فالجنوب اليوم أمام خيار واضح:
إما أن يكون رقماً صعباً في معادلة الإقليم،أو أن يبقى ملفاً يُدار من الخارج. والقرار قبل أن يكون إقليمياً هو قرار داخلي.