تشهد السوق اليمنية في الوقت الراهن ظاهرة اقتصادية لافتة تتمثل في انعدام السيولة النقدية بالريال اليمني في الوقت الذي يتوفر فيه عرض كبير من العملات الاجنبية في السوق. هذا التناقض يثير تساؤلات مشروعة حول مصير الكتلة النقدية المحلية التي ضخت خلال السنوات الماضية، خصوصا ان البنك المركزي يواجه صعوبات في توفير السيولة اللازمة لصرف رواتب الموظفين والوفاء بالالتزامات المالية.
اين ذهبت تريليونات الريالات؟
من الناحية الاقتصادية، فإن الكتلة النقدية لا تختفي، لكنها تنتقل من التداول النشط في السوق الى حالة الاكتناز او الاحتجاز. ويمكن تفسير ما يحدث بعدة عوامل:
- حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي تدفع كثير من الافراد والتجار الى الاحتفاظ بالنقد في المنازل او خارج النظام المصرفي خوفا من تقلبات السوق او من اجراءات مالية مفاجئة.
- جزء كبير من السيولة النقدية يتم تجميعه داخل شبكات الصرافة نتيجة نشاط الحوالات الداخلية والخارجية، حيث تتحول هذه المؤسسات الى خزائن نقدية خارج النظام المصرفي الرسمي.
- الانقسام النقدي وتعدد السياسات المالية ادى الى تراجع الثقة بالبنوك، ما جعل جزءا كبيرا من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي.
سياسة دعم سعر الصرف وتأثيرها على السيولة المتداولة.
يبدو ان توجه البنك المركزي في عدن لدعم سعر صرف الريال قد يكون احد الاسباب غير المباشرة لنقص السيولة في السوق. فهذه السياسة غالبا ما تتطلب سحب جزء من الكتلة النقدية من التداول للحد من الطلب على العملات الاجنبية، الامر الذي يؤدي الى تشدد في ضخ السيولة المحلية.
مشكلة الفئات النقدية الصغيرة
تواجه السوق مشكلة اخرى تتعلق بطريقة توزيع الفئات النقدية. فقد قام البنك بإنزال كميات كبيرة من فئة مئة ريال لتغطية احتياجات السوق من السيولة، غير ان بعض الصرافين يصرفون الحوالات والرواتب بفئات صغيرة مثل مئة ومئتين ريال فقط.
هذا الوضع يخلق مشكلة عملية في السوق، حيث يرفض كثير من التجار التعامل بكميات كبيرة من الفئات الصغيرة بسبب صعوبة العد والنقل والتخزين، مما يؤدي الى تعطيل بعض التعاملات التجارية وخلق حالة من التذمر بين المواطنين.
المعالجات والحلول المقترحة
لمعالجة هذه الاختلالات النقدية:
يمكن طرح مجموعة من الحلول العملية:
ينبغي على البنك المركزي ضخ سيولة نقدية متوازنة في السوق مع مراقبة حركة النقد داخل شبكات الصرافة.
يجب تنظيم عملية صرف الحوالات والرواتب بحيث تكون بمزيج من الفئات المختلفة وليس بالفئات الصغيرة فقط.
يمكن تحفيز المواطنين والتجار على ايداع اموالهم في البنوك من خلال تقديم تسهيلات مصرفية وضمانات تعزز الثقة.
تشديد الرقابة على شركات الصرافة للحد من عمليات المضاربة واحتجاز السيولة.
الاعتماد على التحويلات الرقمية والمحافظ الالكترونية يمكن ان يقلل من الضغط على النقد الورقي ويعزز كفاءة النظام المالي.
إن ازمة السيولة في مناطق الشرعية ليست مجرد نقص في النقد، بل هي نتيجة لاختلالات هيكلية في ادارة الكتلة النقدية وضعف الثقة بالنظام المالي. ومعالجة هذه المشكلة تتطلب سياسات نقدية اكثر توازنا، وتنظيما افضل لسوق الصرافة، واعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات المالية بما يعيد للنقد دوره الطبيعي في تحريك النشاط الاقتصادي.
د/ عارف محمد عباد السقاف استاذ اقتصاد الاعمال المشارك جامعة عدن.