آخر تحديث :الجمعة - 24 أبريل 2026 - 05:38 م

كتابات واقلام


الإعلام بين التمويل والمصداقية: حين يتحول الخطاب إلى سلعة

الجمعة - 24 أبريل 2026 - الساعة 04:29 م

صالح حقروص
بقلم: صالح حقروص - ارشيف الكاتب


في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي المعاصر، برزت ظاهرة لافتة تستدعي التوقف عندها، تتمثل في تحوّل بعض الأصوات الإعلامية والناشطين إلى أدوات قابلة للتكيّف مع اتجاهات التمويل والدعم. فلم يعد الخطاب في بعض الحالات مرتبطاً بالثبات المهني أو القيمي بقدر ما أصبح مرهوناً بالمصلحة الآنية، بما ينعكس في تبدّل سريع وحاد في المواقف تبعاً لتغيّر مصادر الدعم.
وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يقتصر على إضعاف مصداقية الإعلام أو تشويه صورته فحسب، بل يمتد أثره إلى المجال الأوسع المتعلق بوعي الجمهور. إذ تتحول المعلومة من كونها أداة للمعرفة والفهم إلى أداة تأثير مشروط، تُقدَّم وفق اعتبارات غير موضوعية، ما يؤدي إلى إرباك المتلقي وتوجيهه بعيداً عن جوهر الحقائق.
ومع استمرار هذا النمط، تتضرر القضايا الجوهرية، وتفقد النقاشات العامة توازنها، لصالح خطاب متقلب تحكمه المصالح الآنية أكثر مما تحكمه الحقائق أو المعايير المهنية. وهو ما ينعكس سلباً على جودة الحوار العام، ويضعف الثقة بالمشهد الإعلامي ككل.

وفي المحصلة، يبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي خطاب أو تأثير إعلامي هو مدى استناده إلى رؤية واضحة ومبادئ ثابتة، بعيداً عن تقلبات التمويل أو ضغوط المصالح اللحظية، بما يضمن الحفاظ على المصداقية ودور الإعلام كأداة وعي لا أداة توجيه.

وفي النهاية، لا يمكن لأي خطاب إعلامي أن يطالب بالثقة أو التأثير وهو قابل للتبدّل وفق اتجاهات التمويل والمصلحة. فالمصداقية لا تُمنح مرتين، وإذا ما فُقدت، فإن استعادتها تصبح شبه مستحيلة. إن الإعلام الذي يُدار بمنطق الصفقات لا يصنع وعياً، بل يراكم الشك، ويُسهم في إرباك الحقيقة بدل كشفها. لذلك، يظل الامتحان الحقيقي لأي صوت إعلامي هو الثبات على المبدأ حين تتغير الظروف، لأن ما عدا ذلك ليس سوى ضجيجٍ عابر، سرعان ما يزول بزوال مصالحه.

الصحفي صالح حقروص
2026/4/24م