في خضم الجدل السياسي الذي تعرفه الساحة الجنوبية، تتكرر دعوات للبحث عن بديل للمجلس الانتقالي الجنوبي. غير أن قراءة موضوعية للواقع السياسي والشعبي في الجنوب تُظهر أن هذا الطرح، إلى حدود اليوم، يفتقر إلى الأساس الواقعي الذي يجعله قابلاً للتحقق.
لا يزال المجلس الانتقالي يتمتع بقاعدة شعبية واسعة داخل الجنوب. فقد نجح، منذ تأسيسه، في ترسيخ نفسه كالإطار السياسي الأكثر تعبيراً عن تطلعات قطاع كبير من أبناء الجنوب إلى استعادة دولتهم. هذه الحقيقة تؤكدها الحشود الشعبية والفعاليات الجماهيرية التي شهدتها مختلف مدن الجنوب في أكثر من مناسبة.
كما أن رمزية المجلس تتجاوز حضوره التنظيمي لتلامس البعد الرمزي في الوعي السياسي الجنوبي. وفي هذا السياق، لا يزال عيدروس الزبيدي يحظى بدعم شعبي ملحوظ، وهو ما عكسته التظاهرات والفعاليات التي عمّت مناطق الجنوب، مؤكدة استمرار الالتفاف الشعبي حول قيادة المجلس ومشروعه السياسي.
في المقابل، فإن ما شهدته بعض اللقاءات السياسية، سواء في عدن أو في الرياض، من دعوات لحل المجلس أو تجاوزه، لم يتجاوز حدود “الفرقعات السياسية”. فهذه المبادرات، رغم ما قيل عن دعمها من قبل المملكة العربية السعودية، لم تستطع أن تكتسب الحد الأدنى من الشعبية أو المصداقية في الشارع الجنوبي، بل تعرضت لانتقادات حادة بسبب غياب رؤية سياسية واضحة أو مشروع بديل قادر على إقناع الرأي العام. علما أن هذه الأطراف لم تقدم حتى الآن بديلاً سياسياً متماسكاً يمكن أن يشكل إطاراً جامعاً للقوى الجنوبية أو قادراً على حمل مشروع استعادة الدولة.
في ذات الوقت تفرض التحولات الجيوسياسية المتسارعة قراءة جديدة لموازين القوى. فالمواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة و إيران من جهة أخرى، تظهر بوضوح أن طهران لن تتعرض لهزيمة استراتيجية، بل تخرج محافظة على موقعها كقوة إقليمية مؤثرة، وربما أكثر حضوراً في المعادلة الإقليمية مما كانت عليه من قبل.
هذه التحولات الإقليمية تفرض على القيادة الجنوبية، وفي مقدمتها قيادة المجلس الانتقالي، مسؤولية مضاعفة. فالمطلوب اليوم ليس البحث عن بدائل وهمية، بل العمل على تطوير أداء المجلس ذاته من خلال إعادة صياغة هياكله ولجانه، وتعزيزها بكفاءات وطنية قادرة على إدارة الملفات السياسية والدبلوماسية والإعلامية بكفاءة أكبر.
إن المرحلة المقبلة، خاصة في ظل تداعيات ما بعد الحرب في المنطقة، ستكون مرحلة إعادة ترتيب للأوراق والتحالفات. ولذلك فإن قوة الجنوب لن تكون في تعدد الكيانات الضعيفة، بل في تطوير الإطار السياسي القائم وتعزيزه ليكون أكثر قدرة على تمثيل القضية الجنوبية والدفاع عنها إقليمياً ودولياً.
فالرهان الحقيقي اليوم ليس في هدم الإطار القائم، بل في إصلاحه وتقويته حتى يكون في مستوى التحديات القادمة