رسالة مفتوحة إلى المحامي جسار مكاوي الذي آثر أن يوجه لي نقدا لاذعا ومقصودا، معتمدا على معطيات قانونية متجاوزة ومصرا أن الوجود السعودي في الجنوب لا يعدو ان يكون سياسيا وعليه ابني هذا الرد لتصحيح مفاهيمه الخاطئة، وانتقاده المجانبي.
تابعت ما ورد في طرحك القانوني بشأن توصيف الواقع في الجنوب، ولا يسعني إلا أن أوضح أن الإشكال الجوهري لا يكمن في النصوص التي استندت إليها، بل في الهوة العميقة بين القانون الدولي كما يُدرّس نظريًا، وبين كيفية اشتغاله فعليًا على الأرض.
إن الخلل و الإشكال في طرحك لا يكمن في دقته النظرية، بل في عزله عن الواقع العملي. فالقانون الدولي، لا يُطبق بحذافيره، بل يخضع لموازين القوى وإرادة الفاعلين الدوليين. والدليل أن حق تقرير المصير، رغم رسوخه القانوني، لم يُطبق على الشعب الجنوبي ، ليس لغياب النص، بل لغياب الإرادة الدولية القادرة على إنفاذه.
عليك أن تدرك قبل الغوص في اي تحليل قانوني أن القانون الدولي ليس سوى نصوص على الورق. بسبب غياب سلطة تنفيذية ، وسيطرة الدول الكبرى على تفسيره وتجاوز التزاماتها وفق مصالحها، وقيود الأمم المتحدة ومجلس الأمن، يجعل حقوق الشعوب الصغيرة مثل الشعب الجنوبي حقًا نظريًا لم يُطبق قيد أنملة.
تحليلك يظل تحليلاً نظريًا بحتًا، يفتقد إلى الربط بالواقع العملي للقانون الدولي، خصوصًا في مناطق النزاعات المعقدة مثل الجنوب ، كما يغيب عن تحليلك بأن الشعب الحنوبي يمتلك حقًا قانونيًا ثابتًا في استعادة دولته وفق حق تقرير المصير، كما ينص عليه القانون الدولي. لكن الواقع العملي يشهد أن هذا الحق لم يُطبق قيد أنملة، ليس بسبب غيابه قانونيًا، بل بسبب غياب الإرادة الدولية وقدرة التنفيذ على الأرض. لو كان القانون الدولي يُطبق بحذافيره، لكان الجنوب قد استعاد دولته بالفعل منذ عقود.
قلتَ إن النفوذ السياسي لا يُعد استعمارًا، وهذا صحيح من حيث التعريف القانوني التقليدي. لكن ما لم تستوعبه – رغم أنك في قلب الحدث جغرافيًا – هو أن الواقع في الجنوب لم يعد مجرد نفوذ سياسي عادي. فالسعودية تمارس نفوذًا مركبًا: سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا، يتجلى في السيطرة على مناطق استراتيجية كالمهرة وأجزاء من وادي حضرموت، والتأثير المباشر في القرار المحلي، إلى جانب استقطاب وشراء بعض القيادات الجنوبية لإعادة تشكيل المشهد بما يخدم مصالحها. هذا النمط من التدخل يتجاوز مفهوم النفوذ التقليدي، ويتجه نحو فرض الأمر الواقع وإعادة هندسة التوازنات الداخلية، وهو ما يجعل الشعب الجنوبي الصامد أمام سياسة توسعية ذات أبعاد استعمارية، حتى وإن لم تتخذ الشكل الكلاسيكي للاحتلال المباشر.
بمعنى آخر، قد لا يكون ما يحدث استعمارًا وفق القالب القانوني القديم، لكنه عمليًا ينتج نفس الآثار: تقييد الإرادة المحلية، التحكم في القرار، وإضعاف إمكانية الشعب في تقرير مصيره بحرية
انتقادك لم يكن فقط غير مبرر، بل كان سطحيًا إلى حد الابتذال، ويفتقر إلى أبسط مقومات التحليل القانوني الجاد. ما قدمته لا يعكس اجتهادًا فكريًا بقدر ما يكشف عن ضعف في الفهم ومحاولة يائسة لفرض استنتاجات جاهزة على واقع أعقد بكثير من قدرتك على استيعابه.
الأخطر من ذلك أن مقالك يعكس ارتباكًا فاضحًا في موقفك من الدور السعودي، ويضعك في منطقة رمادية لا تليق بمن يدّعي التحليل السياسي. فإما أن تكون واضحًا في انحيازك لحق شعب الجنوب في استعادة دولته، أو تتحمل مسؤولية هذا التناقض الذي يجعل خطابك أقرب إلى التبرير منه إلى التفسير.
محاولتك القفز على الحقائق الميدانية وتزييف طبيعة النفوذ السعودي القائم تُسقط مصداقيتك ..لا شيء يثير الاستغراب: الشجرة المثمرة تُرمى بالحجارة… لكن المؤسف أن بعض من يرمي، لا يدرك حتى أنه يعجز عن بلوغها