آخر تحديث :السبت - 02 مايو 2026 - 02:10 م

كتابات واقلام


بين الإنصياع وكلفة الرفض ، فسحة لاختبار الكرامة

السبت - 02 مايو 2026 - الساعة 12:31 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي

في هذه المنطقة، لا تُصاغ القرارات دائمًا على طاولات التفاوض، بل كثيرًا ما تُكتب في غرف الانتظار… حيث يُطلب منك أن تبتسم، بينما يُعاد ترتيبك من الداخل.
ما حدث مع سعد الحريري لم يكن مجرد أزمة عابرة في مسار رجل سياسة، بل كان لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة المختلة بين الراعي والمرعي. رجل دخل الرياض بكامل إرادته، فخرج منها ببيان استقالة مكتوب بيدٍ غير يده، وبصوتٍ لا يشبهه. لم يكن المشهد لبنانيًا بقدر ما كان درسًا إقليميًا مفتوحًا: السيادة ليست شعارًا، بل اختبار يُجرى في اللحظة التي يُطلب منك فيها أن تتنازل.
واليوم، حين تُستعاد تلك الذاكرة على وقع ما يتعرض له عيدروس الزبيدي، يبدو أن السيناريو ذاته يُعاد، لكن بنسخة مختلفة… نسخة أكثر صخبًا، وأقل قابلية للانصياع.
الفارق ليس في الحدث بقدر ما هو في رد الفعل.
الحريري، وهو ابن تسوية طويلة مع الرياض، اختار أن يمشي داخل النص حتى نهايته، حتى وإن كان نصًا كُتب له لا به. أما الزبيدي، القادم من سياق مختلف، ومن بيئة سياسية تشكّلت على الشك أكثر من الثقة، فيبدو أنه قرأ النص مبكرًا… ورفض أن يؤدي الدور ذاته.
وهنا، تبدأ القصة الحقيقية.
حين لا تسير الأمور كما تريدها العواصم الكبرى، لا تُراجع نفسها، بل تُراجعك أنت. تُعاد صياغتك في الإعلام، تُختزل في رواية واحدة، وتتحول من “حليف” إلى “مشكلة” خلال نشرات قليلة. فجأة، تُفتح الملفات، وتُستدعى اللغة القاسية، وكأن الخلاف السياسي لا يُدار إلا عبر كسر المعنويات.
هذا ليس جديدًا.
السعودية، في إدارتها للملف اليمني تحديدًا، لم تُعرف يومًا بثبات المواقف بقدر ما عُرفت بإدارة التناقضات. تعد هذا، وتدعم ذاك، وتفتح خطوطًا متوازية مع الجميع… ثم تتفاجأ أن الجميع لم يعودوا يثقون بأحد.
في اليمن، لم تعد المشكلة في تعدد الأطراف، بل في تعدد الوعود. وكل وعد يُمنح، يحمل في داخله بذرة تراجعه. لذلك، لم يكن غريبًا أن تتحول العلاقة من شراكة مفترضة إلى مساحة اختبار دائم للنوايا.
ما يجري اليوم مع الزبيدي، إن صحّت تفاصيله، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق. ليس مجرد خلاف سياسي، بل صراع على تعريف العلاقة: هل هي شراكة قائمة على المصالح المتبادلة، أم وصاية تُدار بالأوامر؟
السؤال الأهم ليس: ماذا تريد السعودية؟
بل: ماذا تبقى من قدرة الأطراف المحلية على أن تقول “لا”؟
في لحظات كهذه، لا تكون القضية في من انتصر، بل في من حافظ على موقعه دون أن يفقد نفسه. لأن السياسة، في نهاية المطاف، ليست فقط فن تحقيق المكاسب، بل أيضًا فن تجنب الإذلال.
قد تختلف التفاصيل بين بيروت وعدن، وقد تتغير الأسماء والوجوه، لكن القاعدة تبدو واحدة: من لا يملك قراره، قد يُطلب منه يومًا أن يعلن استقالته… أو ما هو أكثر من ذلك.
أما من يرفض، فسيُدفع ثمن الرفض، لكن على الأقل، وهو يدفعه، يعرف أنه لا يدفع ثمن صمته.