بعد أكثر من أحد عشر عاما على تدخلها في اليمن،
لم تحقق #السعودية هدفها المركزي المعلن، وهو إسقاط سيطرة الحوثيين على صنعاء وإعادة الحكومة المعترف بها دوليا، بل على العكس، تظهر الوقائع أن ميزان القوة لم يتغير جذريا، وأن الحوثيين رسخوا حضورهم كفاعل مسيطر في الشمال.
هذا الفشل لم يبق محصورا في جغرافيا المواجهة مع الحوثيين، بل امتد ليطال جنوب اليمن، حيث تساهم السياسات السعودية في فتح جبهات توتر جديدة بدل احتواء الصراع.
في الوقت الذي أخفقت فيه الرياض في حسم المعركة ضد الحوثيين، اتجهت سياساتها في الجنوب نحو إدارة التوازنات الهشة بدل بناء استقرار حقيقي، ثم توسعت إلى شن عمليات عسكرية استهدفت حلفاءها المفترضين هناك ك المجلس الانتقالي الجنوبي ودولة الإمارات. وإضافة إلى ذلك عززت المملكة من دعمها لكيانات مناطقية محلية وقوى الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين، وإنشاء هياكل أمنية دينية تدين بالولاء لها.
ومع تصاعد التوترات، برزت ممارسات وسياسات "هيمنة" وتصعيد مباشر في الجنوب، سواء عبر دعم أطراف ضد أخرى أو فرض ترتيبات سياسية وأمنية بالقوة، وهو ما ينظر إليه من قبل فاعلين جنوبيين على أنه اعتداء سياسي وعسكري على الجنوب.
نتائج ذلك على الجنوب
هذه السياسات أدت إلى تعميق الانقسام داخل الجنوب نفسه وإضعاف القوى المحلية بدل تمكينها، وتحويل الجنوب إلى ساحة صراع نفوذ لا شريك في الاستقرار.
وبذلك لم يعد الجنوب مجرد حليف ضمن التحالف، بل أصبح ساحة تنافس وإعادة تشكيل قسرية، ما يهدد قضيته السياسية (قضية الجنوب) ويقوض فرص الاستقرار فيه، وهو ما يصب في مصلحة الحوثيين في نهاية المطاف.
تقويض جهود مكافحة الإرهاب
إلى جانب ذلك، هددت هذه السياسات جهود مكافحة الإرهاب التي كانت تقودها الإمارات في الجنوب، حيث أدى تفكيك البنى الأمنية المحلية وإعادة خلط الأوراق بين القوى المختلفة إلى إضعاف فعالية العمليات ضد التنظيمات المتطرفة، وإيجاد آليات أمنية ليش ضمن أولوياتها مكافحة الإرهاب.
كما أن تفاهماتها المنفردة مع الحوثيين - المدفوعة بمخاوفها لتأمين حدودها والذهاب نحو صفقات تؤمّن أجواءها، تهدد بالمقابل، النصر الوحيد الذي حققه الجنوبيون بدعم الإمارات، بدرجة رئيسية، والسعودية، في تحرير الجنوب من الجماعة الحوثية.
ولذلك ولأسباب أخرى، نشبت خلافات حادة بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الملف اليمني، انعكس في تباين الأجندات وتضارب الأولويات بين الطرفين، الأمر الذي هدد ليس فقط العلاقة بين الدولتين، بل فتح الباب أمام تداعيات أوسع على الأمن الإقليمي برمته - بما في ذلك ما نراه اليوم من الهجمات العدائية التي تشنها إيران، أو هجمات الحوثيين على الملاحة الدولية.
مفارقة شاملة
ورغم أن هذه السياسات طالما يتم تبريرها ب "حماية الأمن القومي السعودي"، إلا أنه بهذا المعنى تتكامل صورة الإخفاق، ففي الشمال فشل في هزيمة الحوثيين، وفي الجنوب إرباك الحلفاء وإنتاج صراعات جديدة، وإقليميا تصدّع داخل التحالف والعلاقة بين دولتين محوريتين، قادتا عاصفة الحزم.
أي أن التدخل لم يفشل فقط في تحقيق أهدافه، بل ساهم في توسيع نطاق الأزمة جغرافيا وسياسيا، وتحويل اليمن ككل إلى فضاء مفتوح لإعادة إنتاج الصراع بدل إنهائه وتوسيعه ليشمل الإقليم والممرات البحرية.
وحقيقة الأمر، لم تعد المشكلة في عدم تحقيق النصر العسكري فحسب، بل في أن مجمل السياسات، عززت خصوم السعودية وأضعفت حلفاءها، ووسعت رقعة عدم الاستقرار لتشمل الجنوب، وقوّضت جهود مكافحة الإرهاب، وعمقت الخلافات داخل التحالف بما يهدد الأمن الإقليمي.
وما بدأ كتدخل لإعادة "الشرعية" انتهى إلى إعادة تشكيل المشهد اليمني بطريقة تبقي جميع الأطراف في حالة ضعف، باستثناء الحوثيين والجماعات المتطرفة.