آخر تحديث :الأحد - 10 مايو 2026 - 06:13 م

كتابات واقلام


جمهورية تبديل اللوحات

الأحد - 10 مايو 2026 - الساعة 05:31 م

علي سيقلي
بقلم: علي سيقلي - ارشيف الكاتب


في بلدٍ تتكاثر فيه الحفر أكثر من إشارات المرور، وتختفي فيه هيبة القانون عند أول نقطة جباية، لم تجد الجهات المعنية ما يشغلها سوى، اللوحات المعدنية للسيارات.
نعم، اللوحات!
ذلك “الإنجاز العظيم” الذي يبدو أن الدولة تعتقد بأنه المفتاح السحري للعبور نحو الحداثة، وكأن المواطن الذي يطارد الغاز والكهرباء والراتب المنهك، كان ينتظر فقط تغيير رقم سيارته ليشعر بأنه يعيش في دولة مؤسسات.
القرار الارتجالي الغبي الذي يقضي بتغيير اللوحات دفعة واحدة، لا يبدو كخطوة تنظيمية مدروسة بقدر ما يبدو وكأنه مشروع جباية متنقل على أربع عجلات. ففي كل مرة يتبدل فيها طاقم الوزارة، يخرج علينا مسؤول جديد بفكرة “تحديث اللوحات”، وكأن الوزارة لا تملك من أدوات الإصلاح سوى استبدال قطعة حديد بأخرى، مع فارق بسيط في اللون والشعار والرسوم المدفوعة من جيب المواطن المنهك أصلًا.
وفي كل دول العالم تقريبًا، تُستخدم اللوحات المعدنية لأغراض تنظيمية وأمنية واضحة؛ تحمل رموزًا تميز المحافظات أو الولايات أو المدن، وتساعد في ضبط المركبات وتسهيل المتابعة الأمنية والإدارية. أما عندنا، فتتحول اللوحة أحيانًا إلى منشور سياسي متنقل، أو رسالة هوية قسرية، تُفرض على الناس بقرار فوقي لا يراعي تعقيدات الواقع ولا خصوصيات الجغرافيا والانقسام القائم.
والمفارقة التي لا تحتاج إلى كثير شرح، أن البلاد نفسها ما تزال منقسمة بين سلطات متعددة، وهناك مناطق واسعة خارج سيطرة هذه الوزارة أصلًا، تتبع سلطة الحوثيين، وهي الأخرى تقول إنها “اليمن”.
فكيف لوزارة لا تبسط نفوذها على كامل الجغرافيا، أن تتصرف وكأنها تدير دولة مستقرة موحدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟
وكيف يتم فرض لوحات جديدة بصيغة سياسية حساسة، دون مراعاة للواقع القائم، أو التفكير بعواقب هذا العبث على الناس؟
المواطن هنا لا يرى في هذه القرارات “هيبة دولة”، بل يرى فاتورة جديدة تُضاف إلى قائمة طويلة من الاستنزاف اليومي.
رسوم… معاملات… طوابير… وملاحقات مرورية، فقط لأن مسؤولًا ما أراد أن يترك بصمته على شكل لوحة سيارة.
ولو كانت الطرق محترمة، لهان الأمر قليلًا.
لكن أي سخرية أكبر من أن تطالب المواطن بتغيير لوحته المعدنية، بينما سيارته نفسها معرضة للغرق في حفرة وسط الشارع؟
أي منطق هذا الذي يهتم برقم السيارة أكثر من صلاحية الطريق التي تسير عليه؟
ثم أين هيبة رجل المرور التي يتحدثون عنها؟
لقد سقطت هيبة هذا الجهاز يوم تحولت بعض النقاط إلى مجرد مواقع للتحصيل والابتزاز، ويوم أصبح المواطن ينظر إلى رجل المرور كخصم يبحث عن مخالفة، لا كحامٍ للنظام والقانون.
فالهيبة لا تُصنع باللوحات الجديدة، بل تُصنع بالعدل، واحترام الناس، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.
الدولة الحقيقية لا تبدأ من تغيير شكل اللوحات، بل من إصلاح المؤسسات، وتنظيم الشوارع، وإزالة الفوضى، وإنهاء العبث الإداري الذي جعل المواطن يشعر أن كل قرار جديد هو محاولة جديدة لمد اليد إلى جيبه.
أما تحويل اللوحات المعدنية إلى موسم جباية متكرر، فهذا لا علاقة له بالتطوير، ولا بالنظام، ولا بالأمن.
إنه فقط إعادة تدوير للأزمات، وتلميع شكلي لفشل أكبر من أن تخفيه قطعة معدن معلقة خلف سيارة متعبة مثل صاحبها.
قليل من الحكمة…
فالمواطن لم يعد يحتمل المزيد من القرارات المرتجلة التي تُفرض عليه باسم النظام، بينما الفوضى نفسها ما تزال تجلس على كرسي الإدارة.

علي سيقلي
الأحد الموافق 10 مايو 2026م

كريتر- عدن