آخر تحديث :الأربعاء - 08 أبريل 2026 - 02:04 ص

كتابات


علي عواس رمز النضال والصمود

الأربعاء - 08 أبريل 2026 - 12:27 ص بتوقيت عدن

علي عواس رمز النضال والصمود

كتب / فؤاد المقرعي


​في زمن الضجيج الإعلامي واللهاث خلف بريق الأضواء، تبرز وجوه استثنائية اختارت أن يكون فعلها في الميدان أصدق إنباءً من الكتب؛ وجوهٌ لا تبحث عن عدسات الكاميرات، بل تجدها في متاريس الجبال وساحات الوغى حيث يكتب الرصاص سيرة الخلود. من بين هؤلاء العمالقة الذين صقلتهم المحن، يبرز اسم المقدم علي عبده ناجي عواس، قائد الكتيبة الخامسة في الأمن الوطني، كواحد من أنزه وأشجع القادة الذين أنجبتهم محافظة الضالع الصامدة، ليكون مدرسةً في النضال الصامت والوفاء الذي لا يتزعزع.

​لم يكن تلقيب زملائه ورفاق دربه له بـ "تشي جيفارا الضالع" مجرد تشبيه عابر أو حماسة وقتية؛ بل هو اعتراف بتقاطع عميق في المبدأ والمسار. فكما تحول الأرجنتيني "إرنستو جيفارا" من طبيب إلى أيقونة عالمية للثورة، جسد المقدم علي عواس روح المناضل الذي لا ينحني للعواصف. كان وما زال يسكن الميدان، ملبياً نداء الواجب حين نادت الضالع أبناءها للذود عن حياضها وكرامتها، حاملاً روحه على كفه، ومؤمناً بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بصدق المواقف.

​سيرة القتال والتحرير: الرجل الذي يسبق جنوده

​لم يعرف "الفندم" علي يوماً معنى القيادة من خلف المكاتب المكيفة أو إصدار الأوامر عبر أجهزة اللاسلكي من خلف الصفوف. كان دائماً "الرجل الأول"، يتقدم رفاقه بقلبٍ صلب وجأش لا يلين، يزرع الطمأنينة في نفوس جنوده برؤيته ثابتاً وسط الدخان. خاض معارك التحرير بضراوة الأبطال الأسطوريين، متنقلاً بين جبهات العزة، حتى كُحلت أعين أبناء الضالع برؤية محافظتهم حرةً أبية، مطهرةً من دنس المليشيات بفضل دماء وتضحيات هؤلاء الرجال الذين لم تمنعهم قلة الإمكانيات من صنع أعظم الانتصارات.


​معسكر عبود.. جبهة البناء وصناعة الرجال


​عقب التحرير، لم يذهب عواس لاستراحة المحارب، بل انتقل إلى جبهة أخرى لا تقل خطورة وأهمية؛ جبهة البناء والتدريب. في معسكر عبود، وبثقة مطلقة من القائد "القبة"، تولى عواس مهمة صعبة وهي صياغة العقول والسواعد. هناك، لم يكن مدرباً فحسب، بل كان أباً روحياً للمجندين، واضعاً نصب عينيه بناء قوة عسكرية احترافية، عقيدتها "الأرض والإنسان"، وولاؤها المطلق لله ثم للوطن، لتكون صمام أمان يحمي المكتسبات التي عُمدت بالدماء.

​النزاهة.. مدرسة في القيادة والإنسانية

​لعل ما يمنح المقدم علي عواس هيبةً فوق هيبته العسكرية، هو تلك النزاهة التي يشار إليها بالبنان في كل أرجاء الضالع. في زمنٍ قد تزل فيه الأقدام أمام المغريات، ظل عواس نموذجاً للقائد المتعفف، القائد الإنسان الذي يسكن قلوب أفراده قبل أن يسكن في مراتبهم العسكرية. يتعامل بروح الأخوة الصادقة، بعيداً عن دهاليز التمييز أو المناطقية المقيتة، محطماً جدران العنصرية، مما جعل من كتيبته نموذجاً فريداً للانضباط العسكري القائم على الحب والاحترام المتبادل، لا على الخوف من السلطة.


​خاتمة: بصمة في ذاكرة الأرض

​يبقى المقدم علي عبده ناجي عواس ذلك القائد الذي يعمل في الظل ليشرق النصر في العلن. إنه "القائد الرمز" الذي لم تستهوه الرتب والألقاب بقدر ما استهواه أن يرى وطنه عزيزاً شامخاً. سيظل اسمه محفوراً في ذاكرة النضال الوطني المعاصر، ليس كقائد كتيبة فحسب، بل كقطعة من تراب الضالع، ونبضة من نبضات حريتها، يكتب التاريخ بفعله لا بقوله، وبصمته الذي يزلزل عروش الظلام