حذّر خبراء اقتصاديون من تداعيات الضغوط المتصاعدة التي تفرضها ميليشيا الحوثي على القطاع التجاري الخاص، معتبرين أن هذه السلوكيات لا تقوّض بيئة الأعمال فحسب، بل يمتد أثرها إلى مضاعفة الأزمة المعيشية، وتعميق الانقسام الاقتصادي؛ ما يهدد فرص توحيد السياسات المالية والتجارية في اليمن مستقبلا.
وخلال الأيام الماضية، أصدرت ما تُسمى بـ"وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار" في حكومة الحوثيين، غير المعترف بها دوليا، قرارا بشطب السجلات التجارية والتراخيص لأكثر من 4 آلاف وكالة تجارية محلية وأجنبية، بذريعة "انتهاء تراخيصها منذ أكثر من ثلاث سنوات دون تجديد".
وبحسب مذكرة القرار المسرّبة على مواقع التواصل الاجتماعي، شمل الإجراء نحو 4225 وكالة تجارية، في خطوة بررتها الميليشيا بأنها تأتي ضمن مساعي "تنظيم نشاط الوكالات وفروع الشركات والبيوت التجارية الأجنبية".
وطالت عملية الشطب، وكالات وشركات محلية وإقليمية وعالمية تعمل في مختلف الأنشطة التجارية، ويقع معظمها في مناطق سيطرة الميليشيا، وجزء منها ينشط تحت نفوذ الحكومة اليمنية الشرعية.
ويأتي هذا التطور في وقت يواجه فيه المستثمرون والقطاع الخاص في مناطق سيطرة الميليشيا، عراقيل متزايدة واشتراطات إدارية معقدة؛ ما يدفع خبراء إلى قراءة القرار ضمن سياق أوسع، يستهدف إعادة تشكيل البنية الاقتصادية، عبر إحكام سيطرة الجماعة على الأسواق واحتكار الأنشطة التجارية لصالح كيانات مرتبطة بالحوثيين.
تجريف ممنهج
وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي، ماجد الداعري، إن إلغاء آلاف الوكالات التجارية دفعة واحدة، لا يمكن تصنيفه كإجراء إداري روتيني، بل يندرج ضمن ما وصفه بـ"عملية تجريف اقتصادي ممنهج"، يستهدف تفكيك القطاع الخاص التقليدي.
وأشار الداعري، في حديثه لـ"إرم نيوز"، إلى أن القرار يمثل حلقة واحدة من سلسلة متواصلة من الإجراءات والضغوط التي تمارسها الميليشيا، أملا في الوصول للإحلال الاقتصادي الذي يمهّد لإزاحة البيوت التجارية العريقة والوطنية، واستبدالها بطبقة جديدة من "تجار الحرب" الموالين للجماعة.
مضيفا أن هذه الخطوة جاءت في ظل أزمة تمويل حادة تواجه الحوثيين، جراء العقوبات والقيود الأمريكية المفروضة على شبكاتهم المالية؛ ما دفعهم للبحث عن مصادر بديلة لتعويض الانكماش النقدي، عبر إجراءات "تعسفية" تعكس حجم الضائقة المالية التي يواجهونها.
وبيّن الداعري، أن تمكين الكيانات الاقتصادية الموالية للجماعة، سيقود إلى فرض سيطرة شبه كاملة على السوق؛ الأمر الذي يقوّض المنافسة ويزيد الأعباء على المواطنين، في بلد يعاني أصلا من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وخلال السنوات الماضية، دفعت القيود المفروضة على النشاط التجاري في مناطق الحوثيين، العديد من رؤوس الأموال المحلية إلى الهجرة أو نقل استثماراتها إلى مناطق نفوذ الحكومة، في ظل تدهور الثقة ببيئة الأعمال وتصاعد المخاطر التنظيمية والسياسية.
عراقيل مستقبلية
من جهته، يربط الخبير الاقتصادي محمد الجماعي، القرار الحوثي بإجراءات تنظيمية اتخذتها وزارة الصناعة والتجارة في الحكومة اليمنية الشهر الماضي، معتبرا أن الجماعة تسعى من خلال هذه الخطوة إلى فرض سيطرة كاملة على مفاصل الاستيراد والتوزيع؛ بما يضمن تحكمها في تدفق السلع والسيولة النقدية.
وقال الجماعي لـ"إرم نيوز"، إن هذه السياسات من شأنها تقويض الثقة بين السوق المحلية والشركات العالمية، وإضعاف الشراكات التجارية مع المنتجين الدوليين، فضلا عن تكريس احتكار السلع بيد فئة محدودة.
وأضاف أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على المستهلك، من خلال ارتفاع الأسعار، كما أن الاستمرار في هذا النهج "يعمّق الفجوة الاقتصادية بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين، ويعرقل أي مساع مستقبلية لتوحيد السياسيات الاقتصادية أو تنشيط الحركة التجارية الداخلية".
ولفت الجماعي إلى أن إدراج شركات سبق أن جددت تراخيصها ضمن قرارات الإلغاء، هي رسالة إرهاب سياسي واقتصادي، يهدف إلى الابتزاز المباشر عبر إجبار هذه الشركات على مراجعة سلطات الحوثيين "لتقديم فروض الولاء والطاعة مجددا، وربما دفع إتاوات إضافية تحت مسميات تسوية أوضاع".
وبحسب تقديره، فإن سعي الحوثيين للسيطرة على خطوط الاستيراد المباشرة، يندرج ضمن استراتيجية أوسع لتأمين مصادر تمويل مستدامة خارج الأطر الرقابية.
وحذر من إحكام الحوثيين السيطرة على قطاعات حيوية كالغذاء والدواء؛ ما سيجعل المواطنين رهائن لسياسات الجماعة الاقتصادية، ويُسهم في تفكيك البنية التجارية الوطنية، وتحويل ما تبقى منها إلى مجرد "واجهات أو وسطاء ضمن منظومة تخدم نفوذ القيادات الحوثية".