آخر تحديث :السبت - 23 مايو 2026 - 12:15 م

كتابات واقلام


عندما تفقد السياسة بعدها الإنساني والأخلاق

السبت - 23 مايو 2026 - الساعة 11:44 ص

عبدالكريم أحمد سعيد
بقلم: عبدالكريم أحمد سعيد - ارشيف الكاتب


لم تعد أزمة المجتمعات العربية اليوم مرتبطة فقط بالاقتصاد أو الصراعات السياسية، بل أصبحت أزمة قيم وسلوك عام انعكست آثارها على كل تفاصيل الحياة. فالتراجع الأخلاقي الذي تشهده المنطقة لم يعد مسألة فردية أو حالات معزولة، وإنما تحول إلى ظاهرة تهدد استقرار المجتمعات وتماسكها، وتضعف قدرة الدول على بناء مشروع وطني قائم على العدالة والشراكة واحترام الإنسان.

لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية تصاعداً كبيراً في الخطابات الدينية والسياسية والإعلامية، غير أن هذا التصاعد لم ينعكس بالضرورة على مستوى الوعي أو السلوك العام. بل إن المفارقة المؤلمة تكمن في اتساع الفجوة بين ما يقال وما يمارَس، حتى أصبحت القيم الكبرى كالرحمة والعدل والتسامح تستخدم كشعارات خطابية أكثر من كونها قواعد حقيقية تحكم العلاقات داخل المجتمع والدولة.

إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس ضعف الإمكانات، بل انهيار المنظومة الأخلاقية التي تضبط سلوك الأفراد والجماعات. فعندما تسود ثقافة الكراهية والإقصاء والتخوين، تتحول المجتمعات إلى بيئات قابلة للانفجار عند أول أزمة سياسية أو اقتصادية. ولهذا لم يكن غريباً أن تتحول كثير من الخلافات العربية إلى صراعات مفتوحة، لأن الأرضية الأخلاقية التي تحفظ التوازن المجتمعي أصبحت هشة ومهددة.

كما أن الاستخدام السياسي للدين أسهم بصورة كبيرة في تعميق الانقسامات، حين جرى توظيف المقدس لخدمة المصالح والصراعات، بدلاً من توجيهه نحو بناء الإنسان وتعزيز السلم الاجتماعي. فالدين في جوهره مشروع أخلاقي وإنساني، لكن بعض القوى حولته إلى أداة تعبئة وتحريض، الأمر الذي أفرز حالة من التشدد والتعصب أضرت بصورة المجتمعات العربية والإسلامية قبل غيرها.

وفي الجانب السياسي، أثبتت التجارب أن الدولة لا يمكن أن تستقر بالقوة وحدها، ولا عبر فرض الهيمنة أو إقصاء الخصوم، وإنما من خلال بناء عقد اجتماعي قائم على العدالة واحترام الإنسان وحقوقه. فالدول التي تغيب فيها القيم تتحول مؤسساتها مع الوقت إلى أدوات صراع، بينما تبقى المجتمعات عاجزة عن إنتاج الاستقرار الحقيقي مهما امتلكت من ثروات أو إمكانات.
إن الأزمة الأخطر تتمثل في تآكل الحس الإنساني داخل المجتمع نفسه. فحين يفقد الإنسان احترامه للآخر المختلف معه سياسياً أو فكرياً أو اجتماعياً، يصبح العنف اللفظي والمعنوي والمادي أمراً طبيعياً، وتتحول الخلافات إلى معارك مفتوحة تهدد النسيج الوطني. ومن هنا فإن إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية والأخلاقية تعد أولوية في السلوك والممارسة، وضرورة وجودية لحماية المجتمعات من التفكك والانهيار.
إن بناء الأوطان لا يبدأ من المشاريع الاقتصادية فقط، بل من بناء الإنسان القادر على احترام القانون والتعايش مع الآخرين والإيمان بحق الجميع في الحياة الكريمة. فالأمم التي نجحت في صناعة الاستقرار لم تحقق ذلك عبر الخطابات الحماسية، وإنما عبر ترسيخ ثقافة العدالة والتسامح والانضباط والمسؤولية.

ولهذا فإن الحاجة اليوم باتت ملحّة لإعادة صياغة الوعي المجتمعي والتربوي والإعلامي، بما يعيد للقيم معناها الحقيقي بعيداً عن الاستغلال السياسي أو الاستخدام الدعائي. فالمجتمعات التي تفقد بوصلتها الأخلاقية تصبح أكثر عرضة للفوضى والانقسام، بينما تظل القيم الإنسانية المشتركة هي الضمانة الحقيقية لبقاء الدول واستمرارها.

وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، لم يعد ممكناً لأي مجتمع أن ينهض وهو غارق في خطاب الكراهية والانقسام. فالعالم يتجه نحو بناء الشراكات والمصالح المشتركة واحترام الإنسان، بينما ما تزال بعض المجتمعات العربية أسيرة صراعات الهوية والثأر السياسي والمناطقي. ومن هنا فإن استعادة القيم ليست قضية وعظية، بل مشروع وطني وحضاري يرتبط بمستقبل الدولة والمجتمع معاً .