آخر تحديث :الإثنين - 20 أبريل 2026 - 11:40 م

قضايا


رؤية لحل القضية الجنوبية : مقاربة تتجاوز خطاب الترقيع والمناورة

الإثنين - 20 أبريل 2026 - 10:05 م بتوقيت عدن

رؤية لحل القضية الجنوبية : مقاربة تتجاوز خطاب الترقيع والمناورة

احمد حرمل

في قلب ضبابية المشهد السياسي المعقد ، تتجلى القضية الجنوبية كأحد أبرز الأمثلة على العبث القائم. فهي قضية عادلة في جوهرها، دفع شعب الجنوب ثمنها منذ أن ذُبحت الوحدة عام 1994، حين تحوّلت من وحدة تراضٍ إلى وحدة مفروضة بالقوة ومعمدة بالدم.


ومنذ ذلك التاريخ، قدّم الجنوبيون تضحيات جسيمة في الأرواح والمقدرات، وصبروا على سنوات من الإقصاء والتهميش، أملاً في استعادة حقهم السياسي والوطني واستعادة دولتهم كنتاج طبيعي لفشل مشروع الوحدة.


غير أن هذه القضية، بدلاً من أن تُعالج بجدية كاستحقاق تاريخي، جرى اختطافها داخلياً وتحويلها إلى ورقة مساومة بين الأطراف المتصارعة، بل وصودِر مسارها وصار بيد دول الرباعية التي جعلتها رهينة لمعادلات إقليمية ودولية، تُدار وفق مصالح القوى الكبرى لا وفق مصالح الشعب الجنوبي.


وفي ظل هذه التعقيدات ، تحولت القضية الجنوبية من مشروع وطني عادل إلى ملف تفاوضي محكوم بحسابات الآخرين، فيما يبقى االجنوب هو الخاسر الأكبر: بلا خدمات، بلا استقرار، وبلا أفق للحل.


وبين أزمة وطنية متفاقمة وإرثٍ من سياسات خاطئة جعلت من القضية الجنوبية جوهر المعادلة اليمنية الأكثر تعقيدًا، تبرز الحاجة الملحة إلى مقاربات جديدة تتجاوز خطاب الترقيع والمناورة.


وإيمانًا منا بأن الحل العادل لا يكمن في إنكار الحقوق أو تجزئة الكيانات، بل في الاعتراف بالطبيعة السياسية الخالصة لهذه القضية والاستجابة لطموح شعب الجنوب في تقرير مصيره، أضع بين ايدي النخب السياسية الجنوبية والشمالية هذه الرؤية التي تنتقل من نموذج الوحدة الاندماجية الفاشلة إلى مشروع اتحاد كونفدرالي مع فيدرالية داخلية اي الانتقال من الوحدة الى الاتحاد .


ونأمل أن تحظى هذه الرؤية باهتمام المكونات والنخب والكتل الجنوبية، وأن تكون حاضرة في أي محفل وطني يُعنى بالقضية الجنوبية ، وعلى رأسها مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي المزمع عقده في الرياض - إن كان هذا المؤتمر سيُعقد من الأساس وبالصيغة التي تسمح بطرح رؤى شاملة وجريئة كهذه.


ذلك أن نجاح أي حوار جنوبي خالص مرهون بقدرته على استيعاب مختلف التصورات، والخروج بقواسم مشتركة تعيد بناء الثقة، وتؤهل الجنوب ليكون طرفًا فاعلاً في صياغة مستقبل وطني جديد يقوم على العدل والإنصاف والشراكة الحقيقية."


القضية الجنوبية ليست مجرد فصلٍ عابر في تاريخ الوطن، بل هي جوهرٌ متجذّر في أعماق المعادلة الوطنية، يفرض نفسه كأحد أعقد التحديات وأهمها.


فهي قضية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة لتلامس جذور الهوية ومصير الشعب، وتضع أمامنا سؤالًا مصيريًا حول شكل الدولة ومستقبلها.


إن ما شهده الجنوب من أحداث وتحولات لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات تاريخية وسياسات خاطئة، جعلت من هذه القضية محورًا لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.


ومن هنا، يصبح الحديث عنها ضرورة وطنية، لا باعتبارها أزمة عابرة، بل باعتبارها مشروعًا لإعادة بناء الثقة، وصياغة علاقة جديدة بين الشمال والجنوب، على أسس العدالة والإنصاف، بما يفتح الطريق نحو مستقبل أكثر رسوخًا واستقرارًا.


إننا نجدد التاكيد على ان القضية الجنوبية ليست قضية عارضة أو ثانوية، بل هي قضية جوهرية ومحورية، لا يمكن التعامل معها إلا من خلال الاعتراف بطبيعتها السياسية الخالصة.


فهي قضية لا تقبل الاختزال في مساومات تكتيكية عابرة، ولا يجوز إدارتها بالمناورات أو المراوغات، كما حدث في محاولاتٍ سابقة لتقسيم الجنوب إلى كيانات مجزأة، متجاهلةً وحدته العضوية ومكانته المركزية في المعادلة الوطنية.


لقد مثّل اندلاع حرب 94 العدانية الظالمة على الجنوب وهدم السلم الاجتماعي نقطة تحول مصيرية، وأسفر عن واقعٍ مأزومٍ في الجنوب، تفاقم بفعل سياسات خاطئة انتهجتها القوى التي ادعت الحفاظ على الوحدة، بينما كانت في حقيقة الأمر تتعامى عن الحقائق وتتنكر لمتطلبات المرحلة منذ حرب صيف 1994.


وقد اعتمدت تلك القوى على وهم القوة والتفوق، فأعرضت عن السعي الجاد نحو حلٍّ يستلهم طموحات الشعب الجنوبي ويكرم تضحياته الجسيمة من أجل إيصال صوته ومطالبة بحل عادل.


إن التهرب من تقديم حل جذري لم يزد القضية إلا تعقيدًا، وغرس اليأس في نفوس الناس من إمكانية تحقيق حلٍ موضوعي ضمن الإطار الوطني.


"وهذا ما جعل المعادلة الوطنية تفقد حيويتها وقدرتها على تقديم حل يحقق طموحات الشعب، ويصون هويته، ويحترم حقه المشروع في تقرير مصيره بحرية، دون وصاية أو إملاء. بل إن الجنوب اليوم بات يعاني من نفي هويته، حتى من قبل بعض مكوناته الداخلية، في مشهد يرفضه الجميع."


إن المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم جسيمة، وتكمن في السعي نحو حل عادل يحفظ وحدة الجنوب ويحصّنه من التشرذم، حلٌّ يقوم على التعامل الواعي مع القضية الجنوبية، والاستجابة لخيارات شعبها واحترام تنوعه، بما يعزز وحدته ويؤهله لأن يكون طرفًا فاعلاً وأصيلاً في المعادلة السياسية، مع ضمان حقه في تقرير مصيره.


وفي هذا الإطار، تقع على عاتق النخب السياسية الجنوبية مهمة نبيلة، وهي بناء قواسم مشتركة تتجاوز الغرور والمخادعة، دون أن يفرض أي طرف رؤيته على الآخرين وكأنها الخيار الوحيد.


فالمطلوب هو نسج علاقات متينة مع العملية السياسية، انطلاقًا من كونها الإطار الأمثل لمعالجة القضية الجنوبية معالجة عادلة، تترجم إرادة الشعب وتلبي طموحاته.


وأنطلاقا من مسؤليتنا تجاه شعب واسهاما منا في البحث عن طريق للخروج من النفق المظلم الذي ادخلتنا فيه الوحدة الاندماجية الذي اثبت الواقع فشلها نرى بإن الانتقال من نموذج الوحدة الحالي إلى نموذج اتحادي، يقوم على أسس جديدة تستجيب للواقع وتتوافق مع تحدياته، هو الطريق الأمثل نحو مستقبل أكثر متانةً واستقرارًا.


فالعودة إلى جذور مشروع الوحدة يبيّن أن الشمال كان يميل إلى نموذج فيدرالي، بينما كان الجنوب يطمح إلى صيغة كونفدرالية، وقد أدى اختلاف الرؤى إلى تبني علي سالم البيض وعلي عبدالله صالح وحدة اندماجية تم سلقها على عجل ، أثبتت التجربة فشلها في تلبية تطلعات الشعبين.


ومن هنا، تبرز الضرورة الملحة لإعادة النظر في شكل العلاقة بين الشمال والجنوب عبر مقاربة جديدة توفق بين الرؤيتين، وذلك بإقامة اتحاد كونفدرالي بين كيانين: شمالي وجنوبي، مع إقامة نظام فيدرالي داخل كل كيان لضمان إدارة شؤونه الداخلية بكفاءة.


وبهذا التصوّر، نكون قد تجاوزنا أزمة الوحدة عبر الكونفدرالية، وحللنا إشكاليات شكل الدولة بالانتقال من النموذج البسيط إلى المركب، كما نكون قد وضعنا إطارًا عادلًا لتوزيع السلطة والثروة من خلال الأطر الفيدرالية الداخلية وانهينا هيمنة القبيلة على الشمال وهيمنة الشمال على الجنوب .


هذه الرؤية ليست مجرد اقتراح تقني لشكل الدولة، بل هي مشروع لإعادة بناء الثقة بين المكونات، وإرساء شراكة حقيقية تقوم على التوازن والإنصاف، مما يمهد الطريق لاتحادٍ راسخ، ينبني على الإرادة الحرة، ويتلاءم مع متطلبات العصر.


لان القضية الجنوبيةتظل هي التحدي الأعمق والأكثر إلحاحًا في مسار بناء الدولة اليمنية. فهي ليست أزمة طارئة يمكن تجاوزها، ولا مطلبًا ثانويًا يمكن تأجيله، بل هي قضية وجودية تتعلق بالهوية والعدالة والمستقبل.


لقد أثبتت التجارب الماضية فشل النهج التهميشي والإنكاري، وزادت من تعقيد الوضع سياساتٌ اعتمدت على القوة واجهاض الحقوق، مما عمّق الشرخ وغرس اليأس.


أن الحل لا يكمن في الترقيع أو المناورة، بل في الاعتراف الجريء بالطبيعة السياسية الخالصة للقضية، والاستجابة لطموح شعب الجنوب المشروع في تقرير مصيره والاعتراف بهويته ووحدته.


إن المسار الوحيد نحو مستقبل مستقر يكمن في إعادة بناء الثقة عبر مشروع وطني عادل، يعيد تعريف شكل العلاقة بين الشمال والجنوب على أسس جديدة.


والرؤية التي نطرحها الكونفدرالية، مع الأطر الفيدرالية الداخلية، ليست مجرد نموذج تقني لإدارة الحكم، بل هي مشروع لإرساء شراكة حقيقية قائمة على التوازن والإنصاف.


إنها تصبو إلى تجاوز إرث الصراع وبناء اتحاد طوعي متين، يحفظ للجنوب كيانيته ودوره، ويحقق للوطن بأكمله الاستقرار والازدهار.


إن النجاح في هذا المسار الوطني المصيري يتطلب شجاعة سياسية ونخبوية، تتحلى بالنزاهة وتتجاوز الأجندات الضيقة، لتلتقي حول القواسم المشتركة وبناء إرادة جماعية. إنه الاختبار الحقيقي لإرادة الحياة المشتركة، والفرصة التاريخية لتحويل جراح الماضي إلى أساس متين لوطن يحفظ للجميع كرامتهم وحقوقهم، ويستعيد بهاءه واتزانه.


ولئلا نكرر خطأ مشروع الوحدة الاندماجية الذي تم سَلْقه على عجل، فإننا نؤكد أن هذا الاتحاد الكونفدرالي المقترح ليس وصفة سحرية، ولا فرضاً لإرادة سياسية على الواقع.

إنما هو إطار تجريبي قابل للاختبار، ولن يكتب له الاستمرار إلا إذا أثبت جدارته في الممارسة.


ولأن الجنوب، بكل أسف، لم يعد يثق بالشمال بعد مسلسل طويل من نكث الاتفاقيات والعهود، وتجاوز التزامات السلم الاجتماعي والسياسي، فإنه بات من الحق المشروع، بل من ضرورات العقل السياسي، أن يُحصّن الجنوب نفسه بضمانات دولية وإقليمية راسخة، تحت إشراف الأمم المتحدة، ترقب تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وتُحاكم أي إخلال به.


لذا نقترح ما يلي:


1. فترة انتقالية مُزمنة ومحددة تُطبق خلالها آليات الاتحاد الكونفدرالي بين كيانَي الشمال والجنوب، مع نظام فيدرالي داخلي لكل منهما.


2. تُختتم هذه الفترة باستفتاء عام يشارك فيه شعب الجنوب وحده، وهو من يحدد مصيره بإرادة حرة.


3. إذا أثبتت السياسات والممارسات والواقع المعاش أن هذا الشكل الجديد قد أوجد وحدة قابلة للاستمرار والتعايش، وتحققت مصالح متكافئة وانسيابية طبيعية بين الشمال والجنوب، فإن ذلك يعد اهم عومل امن واستقرار البلد والمنطقة وسيمثل نموذجًا يُحتذى به في تجاوز الانقسامات التاريخية، وسيُرسي أساسًا متينًا لبناء دولة راسخة تقوم على اللامركزية العادلة، والمواطنة المتساوية، وتداول المصالح دون هيمنة أو تهميش.


4. وفي الحالة المعاكسة، أي عودة سياسات الهيمنة والتهميش والإقصاء، يُكرَّس دستورياً حق حكومة الجنوب وبرلمانه في دعوة شعب الجنوب إلى استفتاء عام ؛ ويتم تنظيم هذه الدعوة بموجب قانون يُقرّه برلمان الجنوب، يحدد أسس الاستفتاء وضوابطه وإجراءاته. وعلينا جميعاً، أياً كانت النتيجة، الالتزام بها واحترامها كإرادة حرة لا تعلو عليها إرادة.


بهذا الضمان الدستوري نكون قد وضعنا حداً لأي اجتهادات مستقبلية قد تعيد إنتاج أخطاء الماضي، وجعلنا من الاستفتاء آلية رقابية نهائية بيد شعب الجنوب، لا تُختطف ولا تُؤوَّل.


إن طرحنا لهذه الرؤية ليس رغبة ذاتية ولا قفزاً على الواقع، بل هو الواقعية بعينها، كونها تتوائم مع البعدين الدولي والإقليمي وليست منعزلة عن محيطها، بل تأتي متوافقة مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة والعالم.


ففي زمن صارت فيه الحقوق الشعوبية محوراً للاستقرار، والاعتراف بالخصوصيات الثقافية والسياسية مدخلاً للسلام، تبرز المقاربة الكونفدرالية كخيار استراتيجي يُفضي إلى تحصين الأمن الجماعي بدلاً من أن تظل الأوطان رهينة لنماذج مركزية مثقلة بإرث القهر والإقصاء.


إن المجتمع الدولي والمنظومات الإقليمية باتت تدرك أن الحلول العادلة والمستدامة لا تُبنى على تغييب إرادة الشعوب، ولا على فرض نماذج اندماجية فشلت في أكثر من مكان، بل على عقود طوعية تحترم الحقوق وتضمن المصالح المشتركة وتُحكِّم إرادة الاستفتاء كضامن أخير.


وحتى تتحقق أمنيات وتطلعات شعب الجنوب، تبقى القضية الجنوبية ذلك الجرح النازف الذي لا يبرأ بالمراهم الترقيعية، ولا يُخدَر بوعودٍ استهلاكية تذروها رياح السياسة العابرة. إنها قضية وجودٍ وهوية، ليست حدّاً يفصل، بل فعلاً يعيد تعريف العلاقة بين قطبيه على أسس من الكرامة والعدالة.


إن ما نطرحه من مقاربة كونفدرالية لا يدّعي امتلاك العصا السحرية، ولا يتوهم أن النصوص وحدها تصلح ما أفسدته عقود من الهيمنة والتغليب.


بل هو إقرار صريح بأن الحل العادل لا يكتمل إلا إذا كان شعب الجنوب هو صاحب الكلمة الأخيرة، بيده قلم الاستفتاء، وبصوته يكتب الفصل الأخير من هذه الملحمة الوطنية الطويلة.


لقد حان الوقت لننتقل من سياسات إدارة الأزمة إلى مشاريع صناعة السلام، ومن خطاب التغليب إلى لغة التشارك، ومن أوهام الوحدة القسرية إلى رهان الاتحاد الطوعي الذي تختبره الممارسة ويُقدِّسه الاستفتاء. فالشراكة الحقيقية لا تُبنى على نفي الآخر، بل على اعتراف متبادل بالحقوق، وضمانات دستورية تحول دون العودة إلى مستنقع الإقصاء.


إننا إذ نضع هذه الرؤية بين يدي النخب السياسية، ندرك أن الطريق نحو استعادة الثقة شاق ووعر، لكنه ليس مستحيلاً. فالأوطان لا تُبنى بالشطط، ولا تُصلح بالتنكر للتاريخ، بل تُصنع بهمم الرجال الذين لا يهابون قول الحق، ويؤمنون بأن المستقبل لا يُفتح إلا بمفاتيح الصدق والإنصاف.


فلعل هذه الدعوة تجد آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، وعزائم لا تكل عن السعي إلى وطن يتسع للجميع، دون أن يلغى أحدٌ أحداً، ودون أن يموت حلم ليحيا آخر. فهذه أرض اليمن، وهذا شعبها، ينتظران من ينقذهما من وهدة الفشل، إلى فسحة أمل تتجدد فيها إرادة الحياة المشتركة، على أسسٍ راسخة من الحرية والعدالة والسلام.