في مطلع عام 2026، جاء الإعلان عن إطلاق الحوار الجنوبي– الجنوبي في الرياض برعاية سعودية. حمل هذا الإعلان دلالة سياسية مهمة، تعكس إدراكًا متزايدًا بأن أي تسوية مستقبلية في اليمن لن تكون مستقرة دون وجود موقف جنوبي أكثر تماسكًا وتنظيمًا.
لكن بعد مرور أربعة أشهر، لا يزال المسار في مرحلته التمهيدية دون انتقال فعلي إلى التنفيذ.
لم تُشكَّل لجنة تحضيرية، ولم يُحدد إطار زمني واضح، ولم تُحسم آلية التمثيل. وهو ما يكشف فجوة واضحة بين الإعلان السياسي ومتطلبات التفعيل المؤسسي.
جوهر الإشكال
الإشكال الأساسي لا يكمن في إطلاق الحوار، بل في القدرة على تحويله إلى مسار عملي. فالتجارب السياسية المشابهة تؤكد أن الإعلان يفتح الباب، لكن التنفيذ هو ما يحدد اتجاه العملية واستمراريتها.
وفي الحالة الجنوبية، يظهر أن المشكلة ليست في الفكرة، بل في غياب آلية واضحة لإدارتها.
لماذا يتعثر التفعيل؟
يمكن تلخيص العوامل الرئيسية في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. إشكالية التمثيل السياسي
لا يزال السؤال قائمًا حول من يمثل الجنوب في هذا المسار، وبأي صيغة يمكن إدارة التعدد دون إقصاء أو احتكار.
2. اختلاف تقدير الأولويات
بين من يدفع نحو الإسراع في إطلاق الحوار كفرصة سياسية، ومن يفضل التمهل لضمان عدم تكرار تجارب تسوية سابقة لم تحقق الاستقرار المطلوب.
3. تعقيد البيئة الإقليمية
المسار الجنوبي يتحرك ضمن بيئة إقليمية متداخلة، تجعل كل خطوة مرتبطة بتوازنات أوسع من الإطار المحلي وحده.
شرط أساسي غير مكتمل
أي حوار سياسي لا يمكن أن ينجح في بيئة غير مستقرة. وفي الحالة الجنوبية، هناك مجموعة من الشروط العملية التي تشكل أساسًا ضروريًا لأي عملية تفاوضية مستقرة، أبرزها:
■ دمج القوات في مؤسسات الدولة بشكل منظم وواضح
■ توفير الخدمات الأساسية بصورة مستقرة
■ انتظام صرف المرتبات وتحسين الوضع الاقتصادي
■ تعزيز الأمن والاستقرار الداخلي
هذه العناصر ليست قضايا جانبية، بل جزء من البيئة التي يُفترض أن يُبنى عليها الحوار. فغيابها أو تعثرها يجعل أي مسار سياسي أكثر عرضة للتأجيل أو التباطؤ.
أثر استمرار التأخير
كل تأخير في الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ يؤدي إلى تراجع تدريجي في الزخم السياسي الذي رافق لحظة الإطلاق. وفي الجنوب، يظهر ذلك في شكل حالة ترقب سياسي، تقابلها ضغوط معيشية وخدمات متعثرة، ما يزيد من حساسية المرحلة.
ومع استمرار هذا الوضع دون تقدم ملموس، يصبح التحدي ليس في إطلاق الحوار، بل في الحفاظ على جدواه وقدرته على الاستمرار.
بين الدعم الإقليمي والمسؤولية الداخلية
الدور الذي تقوم به السعودية في رعاية هذا المسار يعكس اهتمامًا واضحًا بتهيئة بيئة أكثر استقرارًا في الجنوب واليمن عمومًا، ضمن إطار أوسع يرتبط بالأمن الإقليمي.
لكن التجربة السياسية تشير إلى أن نجاح أي حوار لا يعتمد على الدعم الخارجي وحده، بل على قدرة الأطراف المحلية على تحويل التفاهمات إلى آليات تنفيذ مستقرة داخل البيئة الداخلية.
ما المطلوب في المرحلة الحالية؟
المطلوب ليس إعادة طرح الفكرة، بل الانتقال إلى التنفيذ عبر مسارين متوازيين:
أولًا: مسار سياسي
تشكيل لجنة تحضيرية واضحة الصلاحيات
تحديد إطار زمني محدد
الاتفاق على آلية تمثيل متوازنة وواقعية
ثانيًا: مسار ميداني/تنفيذي
معالجة ملف دمج القوات ضمن مؤسسات الدولة
تحسين الخدمات العامة
انتظام المرتبات
تعزيز الأمن والاستقرار
بدون هذه الأرضية، يبقى أي حوار معلقًا فوق واقع غير مستقر.
الخلاصة
الإشكال في الحالة الجنوبية لا يتعلق بغياب المبادرات، بل بالفجوة بين الإعلان والتفعيل، وبين الفكرة والبيئة القادرة على تنفيذها.
والتجارب السياسية تشير إلى أن نجاح الحوارات لا يُقاس بلحظة إطلاقها، بل بقدرتها على التحول إلى مسار مؤسسي قابل للاستمرار.
واليوم، يقف الحوار الجنوبي– الجنوبي أمام اختبار واضح:
*هل يتحول إلى عملية سياسية فعلية تستند إلى أرضية مستقرة وإجراءات تنفيذية… أم يبقى عند حدود الإعلان الذي لم يجد بعد شروطه الكاملة للتطبيق؟*