يكثر في الآونة الأخيرة استخدام توصيف “الحوار الجنوبي–الجنوبي” للإشارة إلى اللقاءات والمشاورات الجارية في الرياض بشأن القضية الجنوبية. غير أن هذا التوصيف، على ما يبدو، ينطوي على قدر من الخلل السياسي والمفاهيمي، ويستدعي مراجعة دقيقة؛ ليس فقط من حيث التسمية، بل من حيث مضمون الحوار وأهدافه والجهات المشاركة فيه.
فالمصطلحات في العمل السياسي ليست مجرد عناوين شكلية، بل تعكس طبيعة العملية السياسية، وتحدد نطاقها، وتؤسس لتوقعات الرأي العام بشأن مخرجاتها. وعليه، فإن إطلاق وصف “الحوار الجنوبي–الجنوبي” على أي مشاورات تُعقد بشأن الجنوب، دون انطباق شروط هذا الوصف، يفتح الباب أمام التباس سياسي لا يخدم القضية الجنوبية بقدر ما يربكها.
إن “الحوار الجنوبي–الجنوبي” في معناه السياسي الدقيق، يفترض أن يكون حوارًا جامعًا بين المكونات الجنوبية، يُعقد على قاعدة تمثيل متكافئ، ويهدف إلى التوصل إلى رؤية جنوبية مشتركة حول القضية الجنوبية، ومستقبل الجنوب، وشكل تمثيله، وأولويات استحقاقاته الوطنية. وهذا النوع من الحوار يُقاس بطبيعته، وبمن يشارك فيه، وبالغاية التي يُعقد من أجلها.
أما إذا كان اللقاء يضم أطرافًا جنوبية محددة دون غيرها، أو يُعقد لمناقشة ترتيبات سياسية أو أمنية أو إدارية تخص الجنوب في إطار أوسع، أو يأتي ضمن مشاورات مرتبطة بمسار سياسي وامني في المنطقه، فإن الأدق سياسيًا ومنهجيًا ألا يُطلق عليه “حوار جنوبي–جنوبي” بالمعنى التمثيلي الشامل، بل يُسمى إما “الحوار الجنوبي” إذا كان يعكس مسارًا سياسيًا خاصًا بالقضية الجنوبية، أو “حوار الأطراف المعنية في الجنوب” إذا كان لقاءً وظيفيًا يضم قوى وشخصيات ذات صلة بملف محدد داخل الجنوب.
والفارق هنا ليس لغويًا فقط، بل سياسي وجوهري. فالتسمية الخاطئة تنتج فهمًا خاطئًا، وتؤسس أحيانًا لمشروعية لا تستند إلى تمثيل حقيقي، كما تمنح بعض اللقاءات أكثر مما تحتمل، أو تحملها ما لم تُنشأ من أجله أصلًا.
والأهم من الجدل حول الاسم، هو السؤال الجوهري الذي يجب أن يسبق أي دعوة للحوار: ما الهدف من هذا الحوار؟
هل الهدف هو توحيد الرؤية الجنوبية تجاه القضية الجنوبية؟
أم تنسيق المواقف بين الأطراف الجنوبية إزاء استحقاقات المرحلة؟
أم معالجة الخلافات البينية بين المكونات؟
أم بناء مرجعية سياسية جنوبية أوسع؟
أم مجرد الترتيب لوظيفة مرحلية محددة في سياق سياسي وامني أكبر؟
الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد شكل الحوار، واسمَه، وأطرافَه، ومعايير التمثيل فيه، بل وتحدد أيضًا معيار الحكم على نجاحه أو فشله.
فلا قيمة لأي حوار لا تُعرّف غاياته مسبقًا، ولا جدوى من أي لقاء سياسي لا يحدد بدقة: ماذا يناقش؟ ومن يمثل من؟ وإلى أي نتيجة يراد الوصول؟
إن الخطأ في تسمية الحوار ليس مسألة شكلية، بل هو جزء من خطأ أكبر قد يبدأ من العنوان، ثم يمتد إلى التمثيل، ثم ينتهي إلى مخرجات ملتبسة لا تعالج جوهر القضية.
ولهذا، فإن تصحيح التسمية ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة منهجية.
فإما أن يكون “حوارًا جنوبيًا” واضح الهدف والمرجعية،
أو “حوارًا للأطراف المعنية في الجنوب” محدد الوظيفة والنتائج،
أما وصفه بـ”الحوار الجنوبي–الجنوبي” دون استيفاء شروط هذا الوصف، فهو تحميل سياسي لمصطلح يفترض الجدية والدقة والتمثيل، ولا ينبغي استخدامه على سبيل المجاز أو التوسع.
في القضايا الكبرى، تبدأ الأخطاء من المصطلحات.
وفي السياسة، لا يقلّ ضبط الاسم أهمية عن وضوح الهدف.