في ليلة التاسع من مايو، حيث يتنزّل التاريخ على أروقة الذاكرة الجنوبية بأثواب التأسيس والتجديد، لم يكن الرئيس عيدروس الزبيدي يلقي كلمة حماسية يثير بها وجدان شعبه، بل كانت مفاهيم سياسية واعية تخاطب ضمير الشعب، وتصوغ من الكلمات دستورًا سياسيًّا للمرحلة، ويرفع للريح شراع تفويض جديد يحمل الأمانة في عنقه، لا بوصفه قائدًا يطلب الشرعية، بل بوصفه أمينًا على إرادة شعب منحه ثقته ليُبحر به في لُجج المصير نحو دولة جنوبية كاملة السيادة.
لم تكن كلمته حروفًا تُقرأ، بل كانت خريطةً سياسية ترسم ملامح الغد، وتؤسس لمعانٍ تُعيد تشكيل المشهد الجنوبي من جذوره، مبتدئة من أصل الشرعية، ومرتكزة على استراتيجيات نضالية واعية، تجمع بين صلابة الموقف ونعومة الحكمة، بين صلابة الأرض ومرونة السياسة.
في هذه الكلمة، أعلن الرئيس الزبيدي القطيعة المعرفية مع موروثات الشرعيات المستوردة، وانتزاع الشرعية من رحم التسويات الهشّة والاعترافات الإقليمية العابرة، ليُودعها قلب الشعب الذي وحده يملك حق منحها وسحبها. لقد أعاد تعريف شرعية الجنوب من أساسها، مُعلنًا أن القيادة الحقة ليست تلك التي تُفرض من الخارج، بل هي التي تُستمد من الداخل، من تفويض شعبي، لا تشوبه المصالح ولا تُعكره الحسابات الضيقة.
هكذا انتقل بالجنوب في خطابه من هامش الانتظار إلى مركز الفعل، وأضحت القيادة مُعبّرة عن إرادةٍ لا تنكسر، صادرة عن مرجعيةٍ شعبية لا تُنازع؛ فالشعب هو أصل السلطة وهو نهايتها، وهو المُفوّض الوحيد الذي لا يُعارض ولا يُتجاوز. وبهذا التعريف الجديد، أسقط الرئيس كل شرعية بديلة، وضرب بجذور المبدأ القائل: لا حل يُفرض من خارج إرادة الجنوب، ليبني مكانه صرحًا جديدًا عنوانه: الشرعية تُولد من رحم الشعب.
ولم تكن كلمة الرئيس الزبيدي احتفاءً خطابيًّا بقدر ما كانت تأسيسًا لاستراتيجية مركّبة، عنوانها الأبرز: الجمع بين الحوار الاستراتيجي الواعي والمقاومة السلمية الصانعة للتحول. وجاء هذا الفهم كاشفًا عن حنكة القائد المُحنّك، من أن الحوار وحده قد يكون مصيدةً لتمييع قضية شعب إذا لم تسنده إرادة شعبية ضاغطة، كما أن المقاومة الشعبية اذا لم يسندها وعي قد تكون فضاءً للفوضى وتعيق اي قيادة تفاوض من خلالها بحكمة.
وهنا تتجلى عبقرية المعادلة: مقاومة سلمية واعية بموازاة حوار مشروط يستند إلى الإعلان الدستوري، معادلةٌ لا تُفرّط في الحقوق ولا تُغامر بالدماء، بل تجعل من صمود الشعب رافعة تفاوضية ومن التفاوض مظلة لتحقيق الاستقلال الوطني الناجز. إنها رؤية ترى أن من يصنع الحلول ليس الخارج ولا الخصوم، بل الشعب ذاته حين يثبت على مطالبه ويرسم بثباته أفقًا سياسيًّا جديدًا، يضمن عدم إفراغ قضيته السياسية من جوهرها تحت وطأة التسويات التمويهية.
ولأن معارك التحرر لا تُخاض فقط في الميادين، بل في العقول والقلوب، فقد حملت الكلمة استراتيجية استباقية لتحصين الداخل عبر الإعلام والفكر والتوعية الوطنية، بغية حماية الإرادة الشعبية من الاستنزاف الجانبي وخطر تفريخ المكونات والصراعات المشتتة. لقد قالها صراحةً وبلغة لا تخلو من تحذير استشرافي: العدو ليس فقط من يحمل السلاح في وجهنا، بل من يُشعل الفتنة بين صفوفنا، ويمارس الطعن في خاصرة حلم استعادة دولة الجنوب من الداخل.
وجاء التحذير منزّهًا عن الشعارات ومشفوعًا بفقه البقاء السياسي: كل شرخ داخلي هو بابٌ مفتوح للخصم، وكل تشرذم في هذه اللحظة الفاصلة هو طعنة غائرة في جسد المشروع الوطني. ولهذا، فإن هندسة المرحلة المقبلة تقوم على إغلاق كل الجروح الجانبية، ورصّ الصفوف، وتوحيد البوصلة، لأن التلاحم الوطني بات استراتيجية وجود قبل أن يكون خياراً عاطفيًّا.
وفي تفصيلة بديعة لا تخفى على قارئ المشهد، أضفى الرئيس الزبيدي على القوات المسلحة الجنوبية بعدًا رمزيًّا وسياسيًّا فائق الأهمية. فالجيش في خطابه لم يكن مجرد أداة قتالية، بل كان العمود الفقري للمشروع الوطني وبيت الجنوب الذي يسع الجميع دون تمييز مناطقوي أو حزبي. واصفًا له بصمّام الأمان والضمانة النهائية لأي حل سياسي، وهو اللاعب الأساسي الذي لا سلام بدونه ولا دولة من ورائه.
ولعل الرسالة الأبعد التي أراد إيصالها للمجتمعين الإقليمي والدولي هي أن التفاوض على مستقبل الجنوب لا يمكن أن يبدأ إلا بتثبيت هذه القوات كلاعب أساسي، وأن المساس بها خط أحمر يهدد أي تسوية قبل أن تولد. وبذلك، يُصبح بناء الجيش المحترف مشروعًا وطنيًّا للبقاء وضمانة أمل تحمي المستقبل من انتكاسة العبث، وتُؤسس لهيبة الدولة المنشودة حين تُولد من رحم تضحيات الشعب وقواته العسكرية المحترفة.
وفي نهاية الكلمة رفع الرئيس عيدروس الزبيدي كلمته إلى شعب الجنوب العظيم، فإنه لا يخاطب وجدانهم، بل يحمل إليهم عهد التفويض وثقل المسؤولية، ويشكرهم على ثقتهم التي تُعنون البيعة وتجدد العهد. وهو إذ يُذكر شعبه في هذه المناسبة الغالية، يُذكر نفسه أولًا بأن التفويض أمانة لا تُحمَل بالتمني، بل تُؤدى بالعمل والصبر ورصّ الصفوف، فالصفوف وحدها ستكتب الفصل الأخير من ملحمة الحرية.
إن المرحلة المقبلة، كما قالت بها كلمته، ليست مرحلة انفعالات ولا تراخٍ، بل هي مرحلة "التثبيت الواعي؛ تثبيتٌ للوعي الوطني، تثبيت لمكتسبات القوة، وتثبيتٌ للموقف قبل هبوب رياح التسويات العاتية. ومازال صدى قوله يرن في الأفق: "عهد الرجال للرجال، وعهد الأحرار للشهداء والجرحى"، فإن هذا العهد لن يُنقَض ما دام الطريق واضحًا، والطريق اليوم، لأول مرة، قد صار يرى به البصير، ويمشي عليه الصامد، ويصل بإذن الله إلى دولة الجنوب المستقلة كاملة السيادة.