آخر تحديث :الأحد - 10 مايو 2026 - 10:18 م

قضايا


قراءة تربوية ومهنية لجدولي اختبارات الشهادة الثانوية (العلمي والأدبي) 2025/2026م

الأحد - 10 مايو 2026 - 09:34 م بتوقيت عدن

قراءة تربوية ومهنية لجدولي اختبارات الشهادة الثانوية (العلمي والأدبي) 2025/2026م

أ.ماهر باهديلة

عند قراءة جدول اختبارات القسم العلمي، يتضح أن هناك محاولة لمنح الطالب فواصل زمنية أفضل مقارنة ببعض الجداول المحلية، وهو جانب إيجابي يُحسب للجنة العليا للاختبارات، خصوصاً أن المرحلة الثانوية العامة تختلف بطبيعتها عن بقية المراحل من حيث كثافة المنهج وحجم الضغط النفسي المصاحب لها.


غير أن الجدول، رغم هذا التباعد النسبي، يثير عدداً من الملاحظات التربوية المهمة، أبرزها تكدس المواد العلمية الثقيلة في الجزء الأخير من الاختبارات.


فبعد المرور بمراحل متعددة من الضغط والمراجعة والإرهاق الذهني، يجد الطالب نفسه في الأيام الأخيرة أمام الفيزياء، ثم الجبر والهندسة، ثم التفاضل والتكامل، ثم الكيمياء، ثم الأحياء، وهي من أكثر المواد استنزافا للتركيز والطاقة الذهنية.


هنا تبرز الإشكالية التربوية،إذ إن الطالب في الأسبوع الثالث لا يكون بنفس الطاقة الذهنية التي بدأ بها الاختبارات، مهما كان مستواه أو استعداده، خصوصًا في ظل مناهج كثيفة وطويلة، وبعض موضوعاتها تم الانتهاء من تدريسها قبل فترة وجيزة من بدء الاختبارات.


كما يلاحظ وجود فجوة زمنية بعد اختبار اللغة الإنجليزية يوم 14 يونيو، ثم ترك يوم 16 دون اختبار قبل الفيزياء يوم 18، وهو ما فتح باب التساؤلات لدى الطلاب وأولياء الأمور حول فلسفة هذا التوزيع.


صحيح أن الفيزياء مادة تحتاج وقتًا للمراجعة، لكن التساؤل المطروح:

لماذا لم يتم استثمار هذا التباعد بصورة أكثر توازناً على بقية المواد العلمية الثقيلة التي جاءت متلاحقة لاحقًا؟

ومن الناحية النفسية، فإن ترتيب المواد لا يتعلق فقط بدرجة صعوبتها الأكاديمية، بل بطريقة تعامل العقل معها أثناء فترة الاختبارات.

فهناك مواد تحتاج إلى الحفظ والتركيز الهادئ، وأخرى تحتاج إلى التدريب والكتابة والحركة ورفع الصوت أثناء المذاكرة.


ولهذا فإن التناوب بين مادة علمية وأخرى أدبية أو لغوية يمنح العقل فرصة لإعادة التوازن، ويخفف من الإرهاق الناتج عن الاستغراق المتواصل في نمط ذهني واحد.


ولا يمكن التقليل من مواد مثل القرآن الكريم أو التربية الإسلامية أو اللغة الإنجليزية بحجة أنها “أخف”، فهذه المواد كذلك ذات منهج كثيف وتحتاج إلى مراجعة حقيقية، خاصة في ظل طبيعة الاختبار الوزاري الذي يعتمد على تراكم المراجعة طوال العام أكثر من اعتماده على مذاكرة الأيام الأخيرة فقط.


فالوقت بين الاختبارات ليس كافياً لتعلّم المادة من جديد، بل هو مساحة للمراجعة السريعة لما تم بناؤه مسبقاً.


أما في القسم الأدبي، فيبدو الجدول أكثر استقراراً نسبياً من حيث توزيع العبء الذهني، إلا أن المبدأ نفسه يظل حاضراً ، إذ إن الطالب الأدبي أيضًا يواجه مواد ذات كثافة حفظ وفهم وتحليل، مثل الفلسفة والمنطق والتاريخ والجغرافيا، وهي مواد تحتاج إلى تدرج متوازن في التوزيع.


وقد كان من الممكن تحقيق راحة ذهنية أكبر لو تم اعتماد مبدأ التبادل الواضح بين المواد ذات الطابع الحفظي والمواد التحليلية أو اللغوية بصورة أدق.


ومن واقع التجربة الميدانية، سواء مع الطلاب أو الطالبات، يتضح أن ترتيب المواد يؤثر فعلياً على النتائج.


فبعض الإدارات المدرسية كانت تلاحظ انخفاض مستوى الأداء عند وضع الكيمياء مباشرة بعد الرياضيات، بسبب الإرهاق الذهني الذي يخرج به الطالب من اختبار الرياضيات تحديداً، وكأنه استنفد الجزء الأكبر من تركيزه.

بينما تتحسن النتائج نسبياً إذا جاءت الكيمياء بعد مادة أخرى أقل ضغطاً.


وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن نجاح أي جدول يرتبط أيضاً بثقافة الطالب الدراسية.

فجزء من صعوبة الاختبارات الوزارية يعود إلى اعتماد كثير من الطلاب على المذاكرة المكثفة في فترة الامتحانات فقط، لا على التراكم الدراسي المنتظم طوال العام.


ومع ذلك، يبقى من واجب الجهة المنظمة أن تبني الجدول على أسس تراعي الواقع النفسي والتربوي للميدان، لا على افتراض الطالب المثالي فقط.


ولو أردنا تصوراً أكثر توازناً للجدول، فمن الممكن بعد مادتي القرآن الكريم والتربية الإسلامية اعتماد مبدأ التناوب بين المواد العلمية واللغوية أو الأدبية، بحيث لا تتكدس المواد العلمية الكبرى في نهاية الاختبارات.


فعلى سبيل المثال، يمكن أن يأتي الترتيب بصورة أكثر توازناً نفسياً وتربويا على النحو الآتي:


القرآن الكريم – اللغة الإنجليزية – الكيمياء – التربية الإسلامية – اللغة العربية – الفيزياء – الأحياء – الجبر والهندسة – التاريخ أو الجغرافيا – التفاضل والتكامل.


مثل هذا التدرج لا يلغي صعوبة الاختبارات، لكنه يوزع الضغط الذهني بصورة أكثر عدالة، ويمنح الطالب فرصة أفضل للحفاظ على تركيزه حتى الأيام الأخيرة.


وفي المجمل، فإن الجدولين يُظهران جانباً إيجابياً في منح فواصل زمنية أفضل من بعض النماذج السابقة، لكنهما لا يزالان بحاجة إلى رؤية أعمق في التوازن النفسي والمعرفي بين المواد، خاصة في القسم العلمي، حيث لا ينبغي أن تتحول الأيام الأخيرة من الاختبارات إلى ذروة استنزاف ذهني للطالب.