آخر تحديث :السبت - 23 مايو 2026 - 02:51 م

قضايا


يوسف "أبو سفيان" الطفل الأكبر الذي عاد إلى حضن والده!

السبت - 23 مايو 2026 - 02:25 م بتوقيت عدن

يوسف "أبو سفيان" الطفل الأكبر الذي عاد إلى حضن والده!

ياسين الرضوان

هذه قصة حقيقية، وليست قصة من التراث الشعبي لرجل من أنبل رجالات محافظة الضالع، قلبه يحمل براءة الأطفال، ونصوع الثلج، إنه الطفل الأكبر لوالده "أبوسفيان" البيت التجاري المعروف في البلد، وأبو إخوته، فمهما كبر الابن يبقى طفل والده، وعندما يكون الأكبر يكون أبا آخرًا لإخوته، بتحمله أثقال المسؤولية، نتحدث عن "يوسف" الصديق خاصتنا، يوسف "أبوسفيان" صاحب القلب الطيب الحاني والتاجر الأمين، الذي لم يكن رجلًا عابرًا في ذاكرة الناس.


ثمة أشخاص، حين يرحلون، تشعر القرى والمناطق، أن شيئًا من دفئها انطفأ، وأن الطرقات لم تعد تحفظ وقع الخطى ذاته، وأن الأبواب التي كانت تُفتح لوجوههم بمحبة، دخلها صمت ثقيل ومُر لا يكاد يمرّ.

هكذا كان رحمه الله، صاحب قلب نقي، وعينان خجولتان، لا تكادان تثبتان طويلًا في وجه أحد، كان يشيح بنظره كلما تحدث إلى أحد قليلاً، كأن الحياء خُلق فيه بالفطرة، صحيح أنه تقدّم في العمر؛ لكنه ظل يحمل براءة طفلٍ لم تفسده الحياة، ولم تنتزع منه قسوتها الطويلة تلك الرقة النادرة التي تجعل الإنسان مألوفًا حتى لمن لم يعرفه جيدًا.

لكنه، في الوقت نفسه، لم يكن مجرد رجل طيب، كان الابن الأكبر الذي وقف إلى جوار والده ككتفٍ ثانٍ، ويدٍ أخرى حانية اشتد بها عود الأسرة، ورفيق دربٍ وثق به الأب ضعف ثقته بنفسه، منذ البدايات الأولى للفقر والتعب والخوف من الغد، كانا يسيران معًا في الطريق ذاته؛ أبٌ يحاول أن يبني مجدًا لأسرته، وابنٌ يكبر سريعًا ليحمل معه نصف ذلك الحمل الثقيل..

كانت الرحلة بينهما أكبر من مجرد أبوة وبنوّة، كانت شراكة عمرٍ كامل، ومودة تشبه تلك العلامات التجارية القديمة التي لا تصنعها الكلمات ولا توقفها الصور، بل تصنعها الأيام الثقيلة، والجوع، والسفر، والخسارات الصغيرة التي يتجاوزها الناس وهم متشابكو الأيدي.


وكلما تذكرت هذه الأسرة، شعرت أنني لا أكتب عن أشخاص عاديين، بل عن سلالة مجد ومحبة وتواضع خالص، ترفض تلوث الحياة بمظاهرها المادية..

أسرة اشتهرت بين الناس بالألفة، والرحمة، والسؤال، والتواصل الدائم، إذا غاب واحد منهم، شعر البقية أن شيئًا من البيت قد اختفى، كانوا يتفقدون بعضهم كما يتفقد الناس أرواحهم، وكأن روابطهم أعمق من مجرد صلة دم، لقد علمونا أن هنالك أثمن ما هو من المال، وأعمق من الحياة كلها، المحبة الصادقة والخالصة، إنها أشبه بعقيدة صلبة..!


وربما لهذا السبب يبدو الحديث عنهم بقدر ما هو جميل فهو مؤلم أيضاً إلى هذا الحد، فنحن أحيانًا نهرب من التفاصيل لأنها توقظ رماد العاطفة في داخلنا، وتعيد إلينا الأشياء التي حاولنا طويلًا تجاوزها، نريد للحياة أن تمضي سريعًا كي لا نتوقف كثيرًا عند الحنين، لكن نبض الذاكرة لا يرحم دائمًا.


أتذكر طفولتنا جيدًا.. حين كانت سيارته الزرقاء تمر في الطريق، كأنها بساط سليماني في مسلسلات كرتون الاطفال القديمة، نهرع إليها ونتسابق نحوها، بفرحٍ يشبه فرحة المكتشفين الجغرافيين عند اكتشافهم جزرا زرقاء جديدة، لم تكن مجرد سيارة بالنسبة إلينا؛ كانت شيئًا نادرًا، نافذة صغيرة تفتح لك على عالم كبير، لطالما في البداية ظننّا أنه فقط قريتنا، وأننا وحدنا كل العالم، كان يوسف بالنسبة إلينا كما لو أنه يطير ببساط علي بابا، بروحه الطيبة نفسها، يلوّح للأطفال بعينيه قبل يديه، ويسأل هذا: ابن من؟ وذاك: لأي بيت ينتمي؟ كأن الناس جميعًا جزء من عائلته الكبيرة..!

كان من أولئك الرجال الذين يحملون أثقال الآخرين دون أن يشتكوا، فتراه مبتسمًا حتى وهو مرهق، منشغلًا حتى وهو يتألم، وكأن الله وضع في قلبه قدرة غريبة على احتمال الحياة ومتاعبها، ورغم ذلك لم يفقد شغف السؤال عن الذكريات القديمة، كان جميلاً وبسيطا جداً، كما لو أنه أتى من عالم آخر..!


لكن أكثر ما كان يميزه من وجه نظري، ذلك السر الأخضر الذي يسكن حنايا روحه، فعلى الرغم من التجارة والسفر والمرض الطويل، لم يكن يفوّت موسمًا زراعيًا واحدًا، كان للحصاد عنده معنى يتجاوز الزراعة نفسها؛ شيء يشبه الطقس المقدس، أو الحنين القديم الذي لا يهدأ، نحو حصاد الدخن.. والذرة.. والهند.. والدجر.. كأن بينه وبين الأرض عهدًا لا ينقطع، إلى أن عاد لأحضانها..

كان يتعامل مع تربة الأرض كما لو أنها تربة من ذهب، وحين يرى شيئًا من خيرات الأرض، تلمع عيناه كالزبرجد، بفرح طفلٍ استعاد لعبته القديمة؛ البطاطا الحلوة، والدباء، وقرون الهند الصفراء، والصومي الأحمر المقرمش.. ثم يحملها هدايا إلى أهله وأحبته في عدن ومناطق أخرى، لا لأنها مجرد ثمار، بل لأنها تحمل رائحة البدايات، وطعم الأيام التي عاشها إلى جوار والده.

لم تكن هداياه مجرد ثمرات أو حبوب فقط، بل ذاكرة كاملة، قطعًا صغيرة من الأرض، ومن الطفولة، ومن مواسم الركض خلف السنابل بعد المطر وقبل الجهيش، كأنه أجاد فهم لغة احتفالات رقص الزرع الأخضر، عندما يغني لها المطر..؟!


كانت روحه خضراء حقًا، مغلفة بطينة الحقول ورائحة السيول الصفراء، وكأنه يريد أن يقول دائمًا: هنا بدأنا.. ومن هذه الأرض خرجت حكايتنا.. وربما كان تعلقه بالأرض أعمق من مجرد حبٍ للزراعة.

ربما كان شكلًا خفيًا من أشكال الوفاء لوالدته التي أحبها كثيرًا، ولأبيه الذي علّمه كيف تكون الأرض وطنًا لا مجرد تراب، لذلك ظل متمسكًا بالمواسم..بالمحاصيل وبالزرع، وبكل ما يعيده إلى رائحة البيت القديم، الذي رفض أن يتخلى عنه..إنه ذكرى الوالد الذي لا تكف أصواته عن الهتاف رغم الرحيل، ومعها يتهدّل القلب حزناً

كأن روحه رحمات ربي تغشاه، كانت تهمس في سرّها: "في الحياة كانت أمي التي أحنّ إليه، والآن أعود إلى حضن أمي الكبرى.. الأرض، منها خُلقت، وإليها أعود."


ثم جاء المرض الطويل.. أكثر من 20 عامًا وهو يصارع الألم، كأن الحياة كانت تختبر صبره مرة بعد أخرى، فمرة يضيء كنجمة استعادت بريقها، فترتفع معنويات أسرته وتمتلئ البيوت بالأمل، ومرة يخفت الضوء فجأة، فتعود المخاوف إلى الوجوه مع نتائج الفحوصات والتقارير الطبية.


كنت أقرأ حالته أحيانًا في خارطة ملامح إخوته طيب الله ذكرهم، قبل أن تُقال الكلمات، فالأسرة كلها كانت تعيش على إيقاع نبضة هنا او هناك؛ إذا تحسن، عاد البيت يضجُّ بالحياة وإذا تعب، شعرت الجدران نفسها بالحزن والكآبة..

أما والده، فكان ينظر إليه بعينين ممتلئتين بالفخر والألم معًا، يرى فيه زهرة عمره، وصورته التي كبرت أمامه، حتى صار يشبهه في صبره وحنيته وحبه للأرض، وفي طريقته وهو يحمل هموم الآخرين بصمت.

وحين بدأ المرض ينهش جسد الابن عامًا بعد آخر، كان الأب يتألم بصمت لا يعرفه إلا الآباء، فلا شيء أقسى على الأب من رؤية وجع ابنه أمام عينيه، وهو عاجز لا يستطيع مساعدته، ومهما بلغ الإنسان من الإيمان والرضا، يبقى الابن هو القطعة الأثمن والأكثر هشاشة في قلب أبيه.

فكيف إذا كان هذا الابن عكاز العمر، ورفيق الطريق الطويل، واستراحة التعب؟ ولعل رحمة الله كانت واسعة حين اختار للأب الرحيل أولًا، لأنه لو بقي ليرى السنوات الأخيرة من مرض طفله الأكبر، لكان الألم فوق ما يحتمله قلب شيخٍ أفناه الكفاح.

أما الأم والأخوات.. فتلك حكاية أخرى لا تُكتب بالكلمات، بل بالدموع، وأشياء أخرى....، لقد كانت رحلة طويلة بين الأمل والانكسار، بين السفر للعلاج والعودة المتعبة، بين الدعوات التي لا تنقطع، والقلوب التي ترتجف خوفًا من أي خبر جديد.

عانى كثيرًا من معدته وأمعائه، حتى بدا جسده كله كخريطة متعرجة تشبه حياةً لم تعرف الاستقرار يومًا، ومهما سافر بعيدًا للعلاج، لم يكن يرتاح إلا حين يعود إلى أرضه، إلى قريته، إلى التربة القديمة التي تعلّم حبها من والده.

هناك فقط، كان يشعر أن روحه تتنفس، ولم تكن هذه الأسرة عادية في نظر الناس، لقد أصبحت مثالًا نادرًا للمحبة وصلة الرحم والقرابة والألفة؛ إخوة يحيطون بعضهم بعضًا كالسياج، وأبناء يحملون اسم العائلة بفخر، وأقارب تجمعهم المودة قبل الدم.

حتى المرض، بكل قسوته، لم يستطع أن ينتزع منهم ذلك التماسك الجميل، كانوا يعيشون الألم كجسد واحد، ويفرحون بأي تحسن كما لو أن الحياة وُهبت لهم من جديد.

ثم جاء اليوم الأخير، وسأله من يوم أخير، يوم لابد فيه أن يتوقف البطل عن القتال، تعب الجسد النحيل أخيرًا من الركض الطويل، واستسلم الضوء بعد سنوات من مقاومة العتمة، توقفت الأنفاس ببطء وتوقف جهاز بث الأكسجين عن العمل، لقد رحل الابن الأكبر وانطفأ قلب من أجمل القلوب، رحل ذلك الطفل الذي كبر سريعًا ليصبح كتف أبيه، وأبو إخوته، ورفيق صباه، وسنده في الطريق الطويل.


رحل بعد سنوات قليلة فقط من رحيل والده، كأن الشوق كان أكبر من احتمال عذابات الغياب، والآن.. ها هو يجاور والده في المقبرة، وكأن الحكاية لم تنتهِ أبدًا، فالطفل الأكبر ظل قابضًا على يدي والده حتى النهاية؛ حتى في الموت، وحتى تحت التراب، أبا إلا أن يكون رفيق النهايات كما كانت البدايات..

وهناك، في هدوء المقابر، عاد الابن أخيرًا إلى جوار الرجل الذي سار معه الطريق كله، وربما، في مكانٍ لا نراه، التقى الكتفان من جديد؛ الأب الذي أفناه الكفاح من أجل أسرته، والابن الذي ورث عنه المشقة، والطيبة، وحب الأرض.. شاءت الأقدار أن يرحلا معًا؛ لكنّهما تركا خلفهما سيرة تشبه السنابل وعاطفة ساخنة تُطهى على جدران تنانير العاطفة والمحبة؛ وكلما ظن الناس أنها انحنت من التعب، اكتشفوا أنها كانت ممتلئة بالحياة، والحب، والأمل من جديد..؟!!


هذه حكاية الابن الأكبر ووالده..حكاية تُروى من قرية الظبيات في محافظة الضالع جنوب اليمن، كما لو أنها قصة من التراث الشعبي، عن رجلٍ عاش بسيطًا كما تعيش الأرض، ورحل هادئًا وديعًا كما يعود المطر إلى تربته الأولى، وداعاً صاحب القلب الطيب الأليف، وحتى قبل موته وفي سكرات موته، كان يبحث عن وجه يعرفه ليلتصق به ويحدثه بعيداً عن صراعه مع دفق موجات الأكسجين في أنقى صورة للرجل الذي طالما يبث براءته وطهر محيّاه لكل من عرفه، وداعاً بما يليق بروحك الجميلة، وداعاً إلى لقاء قريب، فالأحبة لا يرحلون في لغة الله ولغة القلب، وداعاً حتى الملتقى الأكيد إن شاء الله............