يشهد المشهد السياسي الجنوبي نقاشاً متصاعداً حول طبيعة القيادة داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، وحول الدور الذي يلعبه عيدروس الزبيدي في صياغة ملامح المرحلة الراهنة. ويتمحور هذا النقاش حول سؤال جوهري:
هل الإشكال مرتبط بشخص القيادة، أم ببنية الإدارة السياسية، أم بطبيعة المشروع السياسي ذاته؟
من جهة أولى، يطرح بعض المنتقدين جملة من الملاحظات تتعلق بأداء المؤسسات، وتراجع مستوى الخدمات العامة، وضعف فاعلية آليات اتخاذ القرار، إضافة إلى محدودية التجديد داخل البنية القيادية. كما تُطرح إشكالات مرتبطة بمدى اتساع دائرة المشاركة السياسية الداخلية، وحدود تقبّل النقد داخل الإطار التنظيمي. وتُفهم هذه الملاحظات في إطار دعوات لإعادة هيكلة نمط الإدارة السياسية وتعزيز الطابع المؤسسي في صنع القرار.
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن المجلس الانتقالي الجنوبي نشأ وتطور في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد، وأنه ارتبط بدرجة كبيرة بشخصية عيدروس الزبيدي باعتباره أحد أبرز رموز الحراك الجنوبي، وفاعلاً رئيسياً في موازين القوة على الأرض. ووفق هذا التصور، فإن استقرار الكيان السياسي يتطلب مراعاة التوازنات القائمة داخلياً وإقليمياً، خاصة في ظل استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة.
في إطار السجال الدائر في الأوساط السياسية و الشعبية من الواضح أن القوى المناهضة لمشروع استعادة الدولة الجنوبية قد تستفيد من حالة التباين الداخلي داخل الصف الجنوبي، عبر توظيف الخلافات السياسية لتوسيع نطاق التناقضات وإضعاف مستوى التماسك السياسي. لذلك يبدو جليا أن هذا العامل يشكل أحد التحديات التي تزيد من تعقيد عملية بناء توافق داخلي جنوبي مستقر.
كما يبرز ضمن هذا الجدل إشكال أكثر عمقاً يتعلق بغياب بديل قيادي متوافق عليه داخل الساحة الجنوبية. فرغم وجود شخصيات سياسية وعسكرية فاعلة، إلا أن الانتقال إلى قيادة بديلة يظل مرتبطاً بتوفر شروط متعددة، من بينها القبول الشعبي الواسع، والقدرة على إدارة التوازنات العسكرية، إضافة إلى القدرة على التعامل مع الفاعلين الإقليميين والدوليين في سياق بالغ الحساسية.
وبناءً على ذلك، لا يبدو النقاش محصوراً في مسألة “التنحي أو البقاء”، بل يتجاوزها إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة النموذج السياسي نفسه: هل يقوم على قيادة مركزية مرتبطة بالأشخاص، أم على بناء مؤسسات قادرة على إنتاج قيادة جماعية وتداولية؟
يعكس هذا الجدل مرحلة انتقالية معقدة تظل فيها معادلة التوازن بين الاستقرار السياسي من جهة، ومتطلبات الإصلاح المؤسسي من جهة أخرى، هي الإشكالية المركزية التي لم يُحسم مسارها بعد.