آخر تحديث :الأحد - 31 مايو 2026 - 02:57 م

اخبار وتقارير


سياسة التوازن عبر الفوضى: الرياض ومحاولة تصفير مشروع الجنوب

الأحد - 31 مايو 2026 - 02:27 م بتوقيت عدن

سياسة التوازن عبر الفوضى: الرياض ومحاولة تصفير مشروع الجنوب

عدن تايم/تقرير/د. أمين العلياني.

لا شيء يشبه ما يحدث في الجنوب العربي اليوم، ولا شيء يشبه هذه اللحظة التي يتدثر فيها الموت بثوب الحياة، وتلبس فيها السياسة قناع الشراكة، بينما تدير في الخفاء سكاكين التقسيم والتفتيت والتفريغ. إنها السياسة التي لا تعلن الحرب فتنتصر، ولا ترفع السلاح فتقتل، بل تخلق من الفوضى ميزانًا، ومن التمزيق توازنًا، ومن الأوهام حقائق، حتى يصبح الضحية هو الجلاد الذي يجهل أنه يذبح نفسه بيده.


وسياسة "التوازن عبر الفوضى" ليست نظرية تُدرس في الكتب فحسب، بل هي خطة تُطبّق بالدم والدمع والأعصاب في جسد الجنوب العربي المنهك، تحت رعاية سعودية باردة، لا تخطئها العين التي تريد أن تبصر، ولا تفوتها البصيرة التي تأبى أن تُخدع.


وسياسة "التوازن عبر الفوضى" ليست شعارًا يُرفع، ولا نظرية تُطرح للجدل الأكاديمي فحسب، بل هي استراتيجية دولة كبرى تتعامل مع الكيانات السياسية الناشئة كما يتعامل لاعب الشطرنج مع الرقعة: لا يهم من يسقط، المهم ألا يصل أحد إلى نهاية اللعبة منتصرًا. إنها السياسة التي لا تكتفي بتقسيم الخصم إلى فريقين، بل إلى عشرة فرق، ثم إلى مئة، ثم إلى شظايا لا تجتمع إلا على التناحر، ولا تلتقي إلا على الضياع.


وفي هذا النموذج، لا تسعى الدولة الراعية للفوضى إلى بناء كيان، ولا إلى دعم مشروع وطني واضح المعالم، بل إلى إنتاج حالة من السيولة السياسية المطلقة، حيث يصبح كل فصيل مشغولًا بإقصاء الفصيل الآخر، وكل قيادي منهمكًا في إثبات شرعيته وإثبات أهليته في مواجهة منافسيه، وكل منطقة منكفئة على هويتها المحلية في مواجهة الهوية الوطنية الجامعة. وهنا يتحقق المبتغى: لا غالب ولا مغلوب، لا منتصر ولا مهزوم، فقط فوضى منتجة للعجز، وفوضى مولّدة للتبعية، وفوضى تجعل من الدولة التي يطمح إليها شعب الجنوب ألا تكون إلا في صنعاء أو الرياض، فهي الملاذ الأخير، وهي الحكم الفصل، وهي صاحبة القرار حين يشتد الصراع ويبلغ السكين العظم.


إنها السياسة التي تجعل من الكيانات السياسية مجرد حمقى مفيدين، يظنون أنهم يخوضون معركة التحرير والاستقلال، بينما هم في الحقيقة يخوضون معركة البقاء على قيد الحياة في مختبر فوضوي كبير، أُعدّت أنابيبه بعناية، وصُمّمت تفاعلاته الكيميائية لتنتج غازًا خانقًا يقتل الحلم قبل أن يقتل الحالم.


في قلب هذه المعادلة الخانقة، يقف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي كمشروع سياسي يعبّر عن تطلعات شعب الجنوب العربي في استعادة دولته كاملة السيادة. إنه ليس مجرد إطار تنظيمي، بل هو الحاضنة السياسية لحلمٍ ظل يراود الملايين منذ أن سقطت الدولة بالقوة والإخضاع عام 1994، ثم تأكدت شرعية هذا الحلم بالتضحيات الجسام في ثورة 2015 وما تلاها من ملاحم تحريرية.


غير أن هذا المشروع، الذي يفترض أن يكون حليفًا للتحالف العربي بقيادة السعودية في مواجهة المشروع الإيراني في اليمن والجنوب العربي، يبدو أنه بات يشكل عبئًا استراتيجيًّا على الرياض، لا لأنه فشل في تحقيق أهدافه، بل لأنه نجح في أن يكون كيانًا متماسكًا، له قيادة شرعية، وجيش نظامي، وقاعدة شعبية عريضة، ورؤية سياسية واضحة لاستعادة الدولة. وهذا هو بالضبط ما لا تريده سياسة "التوازن عبر الفوضى"؛ فالكيان المتماسك هو خطر على استراتيجية التفريغ والتفتيت.


وهنا يأتي الدور على عملية التصفير الممنهجة. فتصفير المجلس الانتقالي الجنوبي لا يعني بالضرورة حلّه أو إنهاء وجوده القانوني، بل يعني إفراغه من مضمونه، وتحويله من حامل لمشروع دولة إلى مجرد إطار شكلي، أو إلى ساحة صراع داخلي بين مكوناته، أو إلى أداة للضغط والمساومة في مفاوضات لا تنتهي. التصفير يعني ألا يكون للمجلس وجود فعلي في معادلة الحكم، وألا يكون لقراره السيادي أي وزن في ميزان القوى الإقليمي والدولي.


وتصفير المشروع الجنوبي التحرري من خلال حل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لا يكتمل إلا بتصفير رمزه، ومن هنا تأتي المحاولات المتواصلة لإقصاء الرئيس القائد عيدروس قاسم الزُبيدي عن المشهد السياسي؛ لأن الزُبيدي ليس مجرد رئيس لمجلس انتقالي، بل هو الرجل الذي فوّضه الشعب الجنوبي تفويضًا تاريخيًّا لقيادة معركة التحرير والاستعادة، وهو الذي حمل راية الحلم الجنوبي في أحلك الظروف، وخاض معارك السياسة والعسكر بقلب لا يعرف التردد، ولسان لا يجيد النفاق.


لكن الرمزية التي يمثلها الزُبيدي هي بالضبط ما يزعج صانعي الفوضى. فرجل بهذه المواصفات لا يمكن احتواؤه، ولا يمكن تطويعه، ولا يمكن شراؤه بمال أو منصب؛ لأنه يمثل إرادة شعب لا تقبل المساومة على الثوابت، وهذه الإرادة هي العدو الأول لسياسة "التوازن عبر الفوضى"؛ لأنها تنتج وحدة، والوحدة نقيض الفوضى.


وتأتي أحداث يناير المقبل، وما يُحاك لها من سيناريوهات، لتؤكد أن هناك مخططًا يتجاوز مجرد إقصاء شخص، إلى إفراغ المشروع من معناه. إنها محاولة لضرب الشرعية الثورية التي اكتسبها الزُبيدي من الشارع الجنوبي ومن التضحيات التي قُدمت على مذبح الحرية. والذرائع التي تُعزف عليها هذه المحاولات كثيرة: تارة باسم "التهديد للأمن القومي السعودي"، وتارة باسم "تهديده المركز القانوني للشرعية"، وتارة باسم "تهديده للقبائل في محافظة حضرموت"، لكن الحقيقة واحدة: إنها عملية قتل سياسي معنوي لرمز لا يمكن اختراقه، تمهيدًا لإحلال رموز أكثر مرونة، وأكثر قابلية للانصياع.


إذا كان المجلس الانتقالي هو العقل السياسي للمشروع الجنوبي، فإن الجيش الجنوبي هو ساعده العسكري، وهو البنية الدستورية التي تحمي المكتسبات الوطنية وتصون التضحيات. إنه ليس مجرد تشكيلات عسكرية، بل هو تجسيد لسيادة الدولة المنشودة، وهو الحارس الأمين على حدود الحلم.


وهنا يأتي المخطط الأكثر إيلامًا: تفكيك هذا الجيش تحت شعارات "توحيد القوات" أو "دمج الفصائل" أو "إعادة الانتشار"، والهدف العميق ليس بناء جيش جنوبي وطني موحد، بل هو كسر شوكة الجنوب العسكرية، وتحويل مقاتليه إلى كتائب مشتتة، تتبع كل منها ولاءات محلية أو قبلية أو مناطقية، أو ما هو أسوأ: تحويلها إلى مليشيات تتقاتل فيما بينها على الفتات وعلى الولاء وعلى التناحر المخطط لها في آخر المطاف.


إن الجيش الذي قاتل في جبهات الكرامة، وحرر الأرض، ووقف سدًا منيعًا أمام المشاريع المعادية، لا يمكن أن يُفكك إلا في مختبر الفوضى. وتفكيكه لا يعني فقط إضعاف القوة العسكرية للجنوب، بل يعني أيضًا وأساسًا كسر الروح المعنوية لشعب بأكمله، وإيهامه بأن مشروعه التحرري لا يمكن أن يُستكمل إلا إذا تخلى عن سلاحه، أي إذا تخلى عن قدرته على الدفاع عن نفسه. وهذه هي الذروة في سياسة "التوازن عبر الفوضى": أن يصبح الضحية عاجزًا حتى عن الصراخ.


من بين أكثر الأدوات دهاءً في هذه الاستراتيجية، يأتي توظيف الهوية الحضرمية التاريخية لضرب المشروع الجنوبي الجامع. إن حضرموت، بتاريخها العريق وهويتها المتميزة، ليست مجرد محافظة في الجنوب، بل هي ركن أساس من أركان الدولة الجنوبية المنشودة، وهي جزء لا يتجزأ من نسيجها الوطني. غير أن السياسة السعودية، في إطار "التوازن عبر الفوضى"، تسعى إلى حصر هذه الهوية في إطارها المحلي الضيق، ودفعها نحو ما يُسمى بـ"الإقليم الشرقي"، ككيان منفصل أو شبه منفصل، بدعوى "الخصوصية الحضرمية".


وهنا تكمن اللعبة: فمن جهة، يتم إرضاء الدولة المركزية في صنعاء التي ترى في وحدة الجنوب خطرًا استراتيجيًّا، ومن جهة أخرى، يتم وأد الحلم الجنوبي في استعادة دولته كاملة السيادة، من خلال سلخ حضرموت عن جسد الجنوب، ثم إغراقها في صراعات داخلية بين مكوناتها. فلا تسلم المحافظات الشرقية من تغذية النعرات: حضرموت مقابل شبوة، وشبوة مقابل المهرة، وكل محافظة تُدفع إلى التنافس والتناحر على حساب الأخرى، حتى تغدو الغلبة لأحدها على الآخر هي الشغل الشاغل، وينسى الجميع أن العدو الحقيقي هو ذلك الذي يمسك بخيوط اللعبة كلها من وراء ستار كثيف من الابتسامات الدبلوماسية والوعود المالية.


إنها ليست حضرموت وحدها. فالمنطق نفسه يُطبّق ببرودة أعصاب على سائر المحافظات الجنوبية. فها هي الرسائل تُوجّه إلى أبناء أبين: "لا يمكن أن تحكمكم الضالع". وإلى أبناء لحج، وبالذات يافع والصبيحة: "لا يمكن أن تحكمكم الضالع أيضًا". وهكذا مع أبناء عدن: "لا يمكن أن يحكمكم مثلث الضالع ويافع وردفان". إنها لعبة تفكيك التضامن الوطني، وتحويل الهوية الجنوبية الجامعة إلى هويات فرعية متناحرة، تتصارع على المواقع والنفوذ والمصالح الصغيرة، بينما الدولة المركزية والراعية الإقليمية تتفرجان وتديران دفة الصراع بما يخدم أهدافهما.


إنها ليست مجرد رسائل سياسية، بل هي قنابل موقوتة تُزرع في العقول والقلوب، وتُسقى يوميًا بمال الإغراء ووعود التمكين والمناصب الوهمية. إنها سياسة تجعل من القبيلة عدوة للمدنية، ومن السلاطين التاريخيين بديلًا عن المؤسسات، ومن النخب السياسية أدوات للانقسام بدلًا من أن تكون أدوات للبناء الوطني.


في سياق هذه الاستراتيجية العاتية، لا تقف المسألة عند حدود الجغرافيا والتقسيمات الإدارية، بل تمتد إلى تحطيم فكرة الدولة ذاتها من خلال إحياء النزعات القبلية والسلطانية. إن تشجيع القبيلة على حساب المدنية ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو عمل تخريبي مقصود، يهدف إلى إنهاء أي توجه نحو تعزيز أواصر العمل المؤسسي لبناء الدولة الجنوبية العربية الحديثة.


وهنا يأتي استدعاء السلاطين تحت وهم المصالحة مع التاريخ، وتحت غطاء التنوع والاعتراف بالخصوصيات، في مشهد عبثي يعيد عقارب الساعة إلى قرون خلت، حيث الولاء للقبيلة والسلطان، وحيث لا وجود للمواطنة ولا للقانون ولا للمؤسسات. إنها محاولة لا تُستخدم إلا لجعل المجتمع الجنوبي كتلًا متنافرة، تحكمها العصبيات الضيقة، وتديرها المصالح الأنانية، بعيدًا عن أي حلم وطني جامع.


وفي الأعالي، حيث يفترض أن تكون النخب السياسية والثقافية حارسة للوعي الوطني، يصل الفعل التخريبي إلى أقصى درجات دقته. إن المال السياسي السعودي لا يُمنح لبناء المشروع، بل يُمنح لتفكيكه من الداخل. إنه يُغدق على شخصيات ونخب بذاتها، لا لتقوية العمل الوطني، بل لخلق مسارات سياسية موازية، تزاحم المسار الأصلي، وتشتت الجهود، وتُحدث تشويشًا يمنع الوصول إلى إرادة شعبية جامعة.


وهكذا يُقال لهذه النخب: "أنتم المفروض أن تكونوا في قيادة العمل، ولا تسمحوا لشخص فلان أن يدير مشروعكم"، و"أنتم الأحق بتمثيل التنوع"، بهدف التصالح مع الماضي وإعادة الاعتبار للجميع. وهكذا تتحول الساحة السياسية إلى سوق نخاسة فكري وسياسي، يتزاحم فيه الجميع على لقب القيادة، وينشغلون بالصراع على المواقع والمناصب والتمويلات، ويضيع المشروع الوطني في خضم هذه المعمعة من التنافس العبثي.


إن الهدف ليس تحقيق عمل وطني مدني حقيقي، بل خلق أنواع من التشويش والبلبلة، تؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية للمشروع الجنوبي التحرري، وتجعل من المستحيل تقريبًا الوصول إلى إرادة شعبية جمعاء واحدة، تعبّر عن نفسها بوضوح، وتفرض وجودها بقوة. وهكذا، يغدو الجنوب أسيرًا لفوضاه الداخلية، وعاجزًا عن الحركة إلى الأمام، بينما يجني صانعو هذه الفوضى ثمار عجزه.


إن ما يواجهه المشروع الجنوبي اليوم ليس مجرد خلافات سياسية عابرة، ولا هو سوء تفاهم مع الحليف السعودي يمكن تجاوزه بالحوار الدبلوماسي التقليدي، بل ما يواجهه هو استراتيجية دولة كبرى، تُحاك ببرودة الأعصاب ودقة المهندسين، وتهدف إلى تحويل حلم دولة الجنوب إلى كابوس لا ينتهي من الفوضى والتفتيت.


ولهذا تصبح سياسة "التوازن عبر الفوضى" هي الأخطر على المشاريع الوطنية التحررية، لأنها لا تقتل الجسد، بل تقتل الوعي. إنها لا تهدم الجدران، بل تهدم اليقين، وتجعل الضحية نفسها شريكًا في استراتيجية تدميره، من خلال إغراقه في صراعات داخلية لا تنتهي.


وأمام هذا الهول، ليس المطلوب من شعب الجنوب ونخبه ومجتمعه المدني وقواه الحية أن يندب حظه، بل أن يرتقي بوعيه إلى مستوى التحدي. إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصدق الجنوبيون مرايا الفوضى التي تُنصب لهم، فيروا أنفسهم متقاتلين متناحرين، بينما هم في الحقيقة إخوة يجمعهم حلم واحد، وقضية واحدة، ومصير واحد.


إن إدراك اللعبة هو الخطوة الأولى في كسرها. وإن اليقظة الاستراتيجية هي السلاح الأقوى في مواجهة سموم التفريق والتفتيت. وإن وحدة الصف الجنوبي، والالتفاف حول مشروعه الوطني الجامع، وحول قيادته الشرعية بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي، وحول جيشه العقائدي، هي وحدها القادرة على تحويل "التوازن عبر الفوضى" من استراتيجية للهيمنة إلى مجرد ذكرى في سجل الصراع من أجل الحرية.


إن التاريخ لا يرحم الشعوب التي لا تقرأ الخرائط جيدًا. وهذه المرة، الخريطة واضحة: إما الوعي الذي ينتج النصر، وإما الفوضى التي تنتج العدم.