آخر تحديث :الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - 11:37 ص

كتابات


من ذاكرة الوطن.. رجالٌ قدّموا الأمانة على المنصب

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - 10:50 ص بتوقيت عدن

من ذاكرة الوطن.. رجالٌ قدّموا الأمانة على المنصب

سمير الوهابي

في ظل تفشي الفساد في مؤسسات الشرعية اليمنية واتساع حضوره في العديد من مراكز القرار، وما ترتب على ذلك من تدهور حاد في الخدمات وتفاقم معاناة المواطنين، تبرز الحاجة إلى استحضار نماذج وطنية مشرّفة تركت بصماتها في العمل العام، ورسّخت قيم النزاهة والأمانة والمسؤولية.

وانطلاقًا من أهمية قراءة التاريخ والاستفادة من تجارب رجاله، سنحاول تسليط الضوء على شخصيات وطنية جعلت من خدمة الإنسان والوطن رسالةً ومبدأً، وقدّمت الموقف على المنصب، والضمير على المصلحة. سنبحث في سيرهم وتجاربهم لعلنا نجد فيها ما يذكّر الأجيال بمعنى المسؤولية الحقيقية، ويؤكد أن اليمن لم تخلُ يومًا من الرجال الذين رفعوا شأن الأمانة وحافظوا على شرف الوظيفة العامة.


وفي هذا السياق، نتوقف اليوم أمام سيرة أحد أبرز رموز النزاهة في اليمن، المهندس والسياسي الراحل فيصل بن شملان، الذي ظل اسمه حاضرًا في ذاكرة اليمنيين بوصفه نموذجًا للمسؤول النظيف وصاحب الموقف المبدئي.


فيصل بن شملان.. سيرة رجلٍ قدّم الموقف على المنصب

يُعدّ فيصل بن شملان واحدًا من أبرز الشخصيات اليمنية التي ارتبط اسمها بالنزاهة والكفاءة والاستقامة في الحياة العامة. فعلى امتداد مسيرته السياسية والإدارية، ظل نموذجًا للمسؤول الذي رأى في المنصب تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية تجاه الوطن لا وسيلة لتحقيق المكاسب الشخصية.

ولد بن شملان في حضرموت، وتلقى تعليمه الهندسي في بريطانيا، وعُرف بثقافته الواسعة وإجادته للغات الأجنبية، إلى جانب اهتمامه بالشأن الاقتصادي والتنموي. وخلال سنوات عمله في مؤسسات الدولة، شغل عددًا من المناصب المهمة، كان أبرزها وزارة الأشغال العامة ووزارة النفط.

ويُروى عنه أنه فضّل الاستقالة على البقاء في موقع لا يستطيع من خلاله تنفيذ قناعاته أو مواجهة الاختلالات التي كان يراها، الأمر الذي عزز صورته لدى كثير من اليمنيين باعتباره رجل مبدأ لا رجل سلطة. كما ارتبط اسمه بالنزاهة في إدارة المال العام ورفض استغلال المنصب لتحقيق المصالح الخاصة.


وفي عام 2006، خاض الانتخابات الرئاسية في مواجهة المرشح الرئاسي / علي عبد الله صالح، في خطوة اعتبرها كثيرون محاولة لإحياء الأمل بإمكانية التغيير السلمي والإصلاح السياسي. ورغم أنه لم يفز في الانتخابات، إلا أن حضوره الأخلاقي والسياسي ترك أثرًا عميقًا في الوعي اليمني، وأصبح رمزًا للمعارضة الوطنية التي اعتمدت الخطاب الهادئ والطرح المسؤول.


لم يُعرف عن فيصل بن شملان السعي وراء الثروة أو النفوذ، بل ظل اسمه مرتبطًا بالنزاهة والاعتدال واحترام القانون. وعندما توفي عام 2010، استذكره كثير من اليمنيين بوصفه أحد الشخصيات التي حافظت على سمعتها واحترامها في بيئة سياسية كانت تعج بالصراعات والتجاذبات.

لقد أثبت فيصل بن شملان أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المناصب التي شغلها، بل بالمواقف التي اتخذها عندما كان قادرًا على الاختيار. ولذلك بقي حضوره في الذاكرة اليمنية مرتبطًا بمعاني الشرف والنزاهة وخدمة الوطن، أكثر من ارتباطه بأي منصب رسمي تولاه.

سمير الوهابي.