التصعيد السعودي الجديد ضد المجلس الانتقالي مؤخراً عبر المندوب اليمني في الأمم المتحدة وعبر النائب العام للجمهورية لا شك أن له دوافع جديدة، ولو أن مسار الاستهداف مستمر منذ البداية بدون توقف. قد نتكهن ببعض هذه الدوافع لكن تبقى المعلومة الأكيدة في الرياض، وربما لدى المجلس الانتقالي أيضاً.
ومن الدوافع المحتملة بحسب مؤشرات الواقع:
أولا: الدفع بخارطة الطريق بين السعودية والحوثيين مجدداً من أجل تسريع الصفقة التي طال انتظارها.
وقد تحدث المبعوث الأممي لليمن بشكل صريح في الإحاطة الأخيرة لمجلس الأمن الدولي عن اجتماع ثلاثي مرتقب بين السعودية والحوثيين والحكومة اليمنية - التي تتحكم بها الرياض بالطبع.
وينظر للمجلس الانتقالي الجنوبي على أنه الطرف الوحيد القادر على تهديد هذا المسار خلال الفترة المقبلة لما أظهره من مرونة وصلابة بنفس الوقت في امتصاص أكبر صدمة تعرض لها، وقدرته على حشد الجمهور الجنوبي، وربما حشد القوات العسكرية إذا تطلب الأمر.
يعني من الممكن أن نوصف هذا بأنه: ضربة استباقية سعودية. ولا ننسى أن العامل الإقليمي له تأثيره، فإيران خرجت متماسكة من حربها مع أمريكا وإسرائيل ووقعت اتفاق هدنة مع واشنطن لمدة ستين يوماً. لم يسقط النظام الإيراني كما كان البعض يتوقع بداية الحرب، وبالتالي زادت السعودية قناعة بضرورة السلام مع الحوثيين حلفاء إيران، وتأمين أراضيها بأي ثمن كان، من منطلق (يد ما تعرف تكسرها بوسها).
وكلنا تابعنا اللقاء الأخير بين الرئيس الإماراتي محمد بن زايد والرئيس الأمريكي ترامب على هامش قمة مجموعة السبع. وهو لقاء ربما أثار مخاوف السعودية من سعي الإمارات لعكس ما حدث في جنوب اليمن، من بوابة الضغط المستمر لتصنيف حزب الإصلاح منظمة إرهابية في اللائحة الأمريكية، وما يعنيه ذلك من ضربة كبيرة لتنظيم تتحالف معه السعودية في اليمن منذ سنوات، ويشكل جزء مهما من الشرعية اليمنية التي تعتبرها الرياض واجهة لإدارة الملف اليمني من خلاله.
ثانياً: من الدوافع المحتملة أيضاً أن السعودية، بعد فشلها في تدمير المجلس عبر إعلان الحل من الرياض في يناير الماضي ثم عبر محاولات إغلاق المقرات ومطاردة القادة بالأوامر القهرية، ترى أن خنق المجلس مالياً قد يكون وسيلة أكثر جدوى في تفكيك بنيته التنظيمية ومؤسساته، مقابل استمرار العروض المغرية لمن يريد الالتحاق بالموجودين في الرياض.
ثالثاً: تفسيري الثالث يقترح أن السعودية ذهبت لهذا التصعيد بعد فشل محاولاتها طيلة الأشهر الماضية لإجبار الزبيدي وبقية القادة المرافقين له على الظهور، حتى مع ذلك الضخ الإعلامي الكثيف والإساءة المتكررة لاستفزازهم. ومن غير المستبعد أن السعودية كانت تتوقع أنهم في نهاية المطاف قد يطلبون منها التصالح معهم وينضمون للحوار الجنوبي المزمع عقده في الرياض، مع التخلي عن المجلس الانتقالي.
هذه هي التفسيرات الأكثر ترجيحًا باعتقادي. وقد يكون أحدها أو مزيجًا منها جديرًا بتفسير ما يحصل الآن. وتبقى هناك احتمالات دوافع أخرى من بينها استمرار الضغط والتحريض والابتزاز الذي تمارسه القوى اليمنية في الرياض مع السعوديين، وهو احتمال ممكن لكنه يبقى ضعيفًا عندما نفكر بدولة بحجم المملكة العربية السعودية.
أما عن التداعيات المتوقعة والسيناريوهات القادمة فهذه مسألة أخرى قد أكتب عنها في وقت آخر.
يعقوب السفياني