صحيح أن متابعة أخبار نجوم المستديرة وأداء ونتائج وتفاصيل منافسات كأس العالم على أرض الواقع داخل المستطيل الأخضر، وفي الواقع الافتراضي من خلال شاشات التلفزيون واستديوهات التحليل إلى مواقع التواصل الاجتماعي عبر الهواتف ومختلف التطبيقات، أخذت حيز كبير، وبدأت قبل البطولة، وصولا إلى وقت كتابتي لهذا المقال المتواضع، بعد يومين من تتويج إسبانيا باللقب على حساب الأرجنتين بهدف، بعد مباراة امتدت 120 دقيقة.
لكن كل ما سبق لم يمنعني من رؤية أفعال تساوي ذهبا، لم نعطها الاهتمام المستحق في وقتها، لكنها ما زالت عالقة في الذهن، ولها أثر طيب في النفس والذاكرة، وأحببت أن أسجل بكلمات متواضعة احتراما وتقديرا لمن يصنعون مثل تلكم المواقف والقيم الإنسانية، وقوة ما تحمله من رسائل. هم، برأيي، أبطال القيم الإنسانية في كأس العالم.
لن أطيل أكثر، ففي المدرجات نرى جمهور اليابان حاضرا لتشجيع منتخب بلاده، لكننا لم نرَ أنه في الفوز والخسارة يسجل نصرا يجسد مبادئ وقيمًا وسلوكيات إيجابية تحمل في طياتها ثقافة ورقي وحضارة دولة وشعب بأكمله.
يتحول جمهور اليابان إلى مهندس نظافة، نعم، كما يسمون عمال النظافة في يابانهم، فلا يغادرون المدرجات ولا مواقعهم حتى تكون نظيفة كما دخلوها.
إن تنظيف الجمهور الياباني للمدرجات ليس حبًا للظهور، ولا بدافع البحث عن الشهرة، بل يعكس تنشئة اجتماعية ورسالة سامية تثبت أن ممارسة النظافة عند الياباني سلوك وليست شعارا داخل اليابان وخارجها.
يرسم اليابانيون لوحة جميلة عن أنفسهم وبلدهم، وهذا فعل جميل يسعدنا ولسنا منهم، لكن المؤلم حين نتذكر ما يحدث في بعض بلداننا، فالاحتفال، فوزا وخسارة، يكون بتحطيم كراسي المدرجات.
وبينما تُبنى الشعوب على إرث ثقافي وحضاري وأخلاقي، ونحن أحق بأن نكون الجوهر الحقيقي لذلك، وأن نصقل فينا ما يجب علينا فعله أولا، انطلاقا من أن بطولة كأس العالم محطة وتجمع عالمي وفضاء للمنافسة في كرة القدم وتجسيد حضارة وثقافة الشعوب، فما قد تناسيناه من مكارم الأخلاق علينا الحرص على تجسيده قولا وفعلا، اقتداءً بقول رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».