آخر تحديث :الخميس - 23 يوليو 2026 - 07:46 م

كتابات


الضالع بوابة الجنوب ..آخر الأسوار التي لا ولن تُهدم

الخميس - 23 يوليو 2026 - 07:08 م بتوقيت عدن

الضالع بوابة الجنوب ..آخر الأسوار التي لا ولن تُهدم

نزار هيثم

يقول هيرودوت إنه كتب التاريخ حتى لا تضيع أعمال البشر العظيمة مع الزمن، وكتب ثوسيديديس تاريخه ليكون "ذخرًا للأبد" تتعلم منه الأجيال. ومنذ ذلك الحين، لم يعد التاريخ دفترًا للممالك والإمبراطوريات ، بل سجلًا للمدن التي وقفت حين انحنى غيرها.


ولذلك بقيت إسبرطة رمزًا للشجاعة، وبقيت مدينة صور عنوانًا للصمود، وبقيت ستالينغراد شاهدًا على أن الإنسان قد ينتصر حين يعجز اقوى سلاح، وبقي سور الصين العظيم رمزًا لإرادة أمة نجحت أن تحمي حدودها.

وخلّد التاريخ مدينة غزة لأنها بقيت، رغم الحروب المتكررة والدمار الشامل ، رمزًا للمقاومة والصمود في الوعي العربي والعالمي.

ولاننسى ديان بيان فو في فيتنام، حيث تحولت من ساحة معركة إلى رمز لانتصار الإرادة على قوة عسكرية عظمى تفوقت في العدة والعتاد، ثم أصبحت التجربة الفيتنامية كلها مثالًا يُدرّس في حروب الاستنزاف والمقاومة.


كنت أقرأ هذه الحكايات في كتب التاريخ


حتى وقفت يومًا في الضالع.


هناك، لم أعد أقرأ التاريخ

بل رأيت بعيني حين يصبح الرجال سورًا أعظم من كل الأسوار


كًنا نزور الابطال وهم في الخنادق والمتارس ، وبينهم وبين العدو مسافة تكاد تُقاس بالأنفاس لا بالأمتار. كنت أسمع الرصاص قبل أن أرى اتجاهه، وأرى المقاتلين يتبادلون النظرات في صمتٍ يقول أكثر مما تقوله الخطب. لم أرَ في وجوههم خوفًا من الموت، بل رأيت خوفًا واحدًا، أن يتسلل العدو نحو الأرض التي أقسموا أن تبقى عصية.


هناك أدركت أن الضالع ليست مدينةً تعلو فوق الجبال

بل جبلٌ ارتدى اسم مدينة.

ففي الشمال والغرب تمتد المقاومة فوق قمم ناصة، وصامح، ومضرح في مريس، والعود وحمك في الفاخر، وحجر، والمشمر ومصوام في الأزارق، جميعها تقف في الذاكرة شواهد على سنوات من الصمود. وفي العمق ينتصب جبل جحاف، ويجاوره الضبيات وحرير، كأنها أكتافٌ تحمل ظهر الضالع، حتى بدا لي أن الطبيعة صنعت الجبال، أما الرجال فقد صنعوا هيبتها.


وأدركت أن لقب بوابة الجنوب لم يمنحه لها أحد، بل صاغته تضحيات أبنائها جيلاً بعد جيل.


رأيت الأمهات يرسلن أبناءهن بالدعاء لا بالدموع، ورأيت آباءً يخفون وجعهم حتى لا يضعف قلب مقاتل، ورأيت أطفالًا يحفظون أسماء الشهداء كما يحفظون أسماء آبائهم.


هناك فهمت أن المقاومة ليست بندقية يحملها رجل


بل ثقافة يحملها مجتمع صامد بوجه الظلم .


وفي الضالع، لا تصنع البطولة أفرادًا فقط، بل تصنع أسرًا تصبح جزءًا من ذاكرة الوطن. ومن بين تلك الأسر، يبرز اسم أسرة الشوبجي بوصفها رمزًا للتضحية والثبات في الوجدان الجنوبي، حين اقترن اسمها، لدى كثيرين، بمعاني الوفاء والبذل.


ولم تكن الضالع وحدها في هذا الطريق، فقد وقفت إلى جانبها ردفان، ويافع، والصبيحة، وكلها صفحات من كتاب واحد، عنوانه أن الأرض التي يتوحد أهلها على حمايتها، يصعب كسرها.


غادرت الضالع

لكن الضالع لم تغادرني.


وكلما قرأت عن المدن التي خلدها التاريخ، عاد إلى ذهني ذلك الخندق، وذلك الصمت الذي كان يسبق الاشتباك، وتلك الوجوه التي كانت تعرف أن الموت قريب، لكنها كانت تؤمن أن حرية الوطن أقرب.


وعندها أيقنت أن المؤرخين قد يختلفون في رواية المعارك، وقد يختلفون في أسماء القادة، لكنهم لن يختلفوا في حقيقة واحدة:

أن المدن لا يخلدها ارتفاع أسوارها، بل عظمة الرجال الذين يقفون عليها.


ولهذا، ستظل الضالع، في ذاكرة من عرفها، أكثر من محافظة للصمود والنصر ،بل ستظل شاهدًا على أن الأوطان لا تحرسها الجبال الشاهقة، بل رجالٌ إذا وقفوا على مرتفعاتها، أصبحوا هم السور الذي لا يُهدم.


رحم الله شهداء الجنوب الأبرار، الذين سطّروا بدمائهم صفحاتٍ خالدة في ذاكرة الوطن، وأسكنهم فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.

ونسأل الله تعالى أن يمنّ على جرحانا الأبطال بالشفاء العاجل، وأن يلبسهم ثوب الصحة والعافية، وأن يجزيهم عن وطنهم وأهلهم خير الجزاء، وأن يحفظ الجنوب وأهله، ويديم عليه الأمن والسلام.