جزء كبير ممايجري في التعاملات بين الناس داخل المجتمع والاقتصاد وبين الاقتصاد الوطني والخارج يقوم على الثقة وهي مرادف للأمانة بالمعنى الحضرمي للثقة..
فالبنوك تمنح الائتمان والتمويل للافراد أو المؤسسات بناء على الثقة وتحصل على إدخارات المواطنين وإيداعاتهم بناء على الثقة في البنوك وقدرتها على إدارة أموال المودعين والحفاظ على قيمتها ، والتاجر، يمنح السلعة للزبون قبل أن يحصل على قيمتها بناء على الثقة، والمشتري، يدفع قيمة البضاعة قبل أن يستلمها من التاجر بناء على الثقة ذاتها أيضا. .في هذا المضمار يمكن النظر الى النشاط الاقتصادي بأنه معزز بالاخلاق والثقة ،ولايقوم، على الأسواق والاسعار والقوانين المنظمة والعرض والطلب فحسب ،رغم أهمية وضرورة ذلك موضوعيا بدون شك، ولكنه يتأثر بالعلاقات الاجتماعية ،والثقة المتبادلة ،والقيم السائدة المشتركة بين الناس ،وشبكات التعاون بين أفراد المجتمع ومؤسساتة .
هذا يعني أن الثقة التي نعرفها محليا بالسمعة أو الأمانة ؛ تعتبر من أهم الركائز التي يقوم عليها النشاط الاقتصادي في الحياة الاقتصادية اليومية داخل المجتمع لكن هنا،تظهر الثقة بوصفها اصل ورأسمال اجتماعيا له قيمة اقتصادية حقيقية رغم أن هذا الأصل غير مرئي ولا يظهر في الموازنات والحسابات الختامية .
فكلما ارتفع مستوى الثقة بين أفراد المجتمع ،انخفضت تكاليف المعاملات ،وتراجعت الحاجة الى الضمانات والإجراءات المعقدة ,وأصبح من الممكن توسيع دائرة التبادل التجاري والاستثمار والتعاون الاقتصادي ونفس الحال يقال عن الثقة بين الناس تجاه بعضهم بعضا فأنت تثق بشخص ولا تثق باخر اعتمادا على سمعته.
ووفق هذه الرؤية ،فإن الثقة لاتمثل مجرد قيمة أخلاقية أو اجتماعية فحسب ،بل يمكن القول إنها مورد اقتصادي يساهم في تنظيم العلاقات بين المنتجين والمستهلكين والموردين والمصدرين والبنوك الممولة ،وبذلك فهي تسهم في تعزز كفاءة الأسواق .
في المجتمعات التي تسود فيها الثقة والالتزام بالعقود والمواعيد ،تنشأ علاقات اقتصاديه طويلة الأجل تتجاوز حدود المعاملة الفردية وتتحسن فيها بيئة الاعمال وتعزيز التعاون والاستثمار .
لكن ماذا عن تراجع الثقة في المجتمع ؟
في المجتمعات التي تعاني من الاضطرابات ومن غياب الاستقرار السياسي و الأمني والاقتصادي والقانوني وتضعف فيه مؤسسات الدولة القضائية والرقابية فهذه المجتمعات تتميز :
في تراجع الثقة بين المتعاملين في المجتمع وبين الداخل والخارج وهو مايؤدي الى نتائج اقتصادية سلبية , ففي الداخل ترتفع تكلفة المعاملات ومعه تزيد الحاجة الى الضمانات مع ارتفاع منسوب المنازعات التجارية وارتفاع تكاليف تنفيذ العقود وحماية الحقوق وهو ما يرفع من تكلفة السلعة أو الخدمة ويضعف العائد وكفاءة الأسواق ويحد من تدفق راس المال والاستثمار .
وفي العلاقات الاقتصادية الخارجية : تؤدي المخاطر السياسية والاقتصادية والقانونية الى ضعف ثقة الموردين والمستثمرين عدا عن شركات الشحن والتأمين وعندها ستزيد الاشتراطات ومن بينها طلب الدفع المسبق , والضمانات المصرفية ،والتأمين الاعلى والفحص الإضافي واستخدام وسطاء وموانئ ترانزيت وهذا ماهو حاصل اليوم في تعامل الخارج مع اليمن .
وتاسيسا على ذلك فإن استعادة الثقة في الاقتصاد اليمني داخليا وخارجيا لاتتطلب فقط اصلاح القوانين بل تشترط بناء منظومة متكاملة تشمل قضاء تجاريا فعالا ،وتنفيذ العقود ،وتطوير السجل التجاري والائتماني ،وتعزيز الشفافية ،وتحسين الخدمات المصرفية ،وتوحيد البيئة التنظيمية ،وتوفير ٱليات سريعة للتحكيم وتسوية المنازعات وفي هذا السياق تواصل الحكومة والبنك المركزي تطبيق المزيد من الإصلاحات التي نأمل أن تتحقق نتائجها على الواقع ،لكن الحرب؛ أضرت ببعض اخلاقيات المجتمع ونحتاج الى إعادة بناء المنظومة الأخلاقية عبر مكافحة الفساد قانونيا وتعزيز القيم والمثل العليا وهذا يحتاج الى جهود طويلة المدى تبدأ من التعليم ..
26 يوليو 2026